بيان من الجبهة الديمقراطية

لا للحرب ضد الطلاب

     شهدت جامعة الخرطوم في الأسابيع القليلة الماضية احداثاً مؤسفة ذات دلالات ومؤشرات مهمة على مستوى التطورات السياســــــية بالبلاد. ففي وقت تدعي فيه السلطة التزامها بمراعاة حقوق الإنسان والحريات والسعي الجاد لتحقيق الســــــلام، جاءت احداث جامـــعـــة الخرطوم لتؤكد لنا زيف تلك الدعاوي ، وان النظام الدكتاتوري الحاكم ما زال يتمسك بأدوات القمع والارهاب والاعتـــــقال والتعــذيــــب والفصل لكل من يرتفع صوته مطالباً بحقوقه المهضومة.  

     لقد تواترت الأحداث وتسارعت منذ ان تم إلغاء الانتخابات من قبل المدير ولجنته القانونية استناداً إلى طعن قدم من مجموعة قليلة من طلاب المؤتمر الوطني تطالب بتأجيل الانتخابات حتى عودتها من ما أسموه بالجهاد في مناطق العمليات في توريت. ورغم رفض لجـــنة الانتخابات فقد إستجاب مدير الجامعة لهذا الطعن الذي يهضم حق الالاف من الطلاب مقابل حق اقلية (بضع عشرات أو أقل) إخــــــتاروا طوعاً السفر إلى توريت وفق قناعاتهم الذاتية. كما قبل طعن يعطي حق  مشاركة الألاف من معلمات مرحلة الأساس المنتسبات لكـــــــلية التربية في الإنتخابات رغم إنتمائهم النقابي لنقابة المعلمين، كمدخل للتلاعب والتزوير.

     أجمع الطلاب على رفض القرارين وبوعيهم كونوا لجانهم وتسلحوا بوحدتهم خلف اللجنة المركزية للطلاب ورفعوا مذكرات لم تلـقى تجاوباً من الإدارة ، فتواصلت الاعتصامات في معظم الكليات. إلتزم الطلاب بسلمية تكتيكاتهم ، وضمن هذا الإطار اعدوا لتنظيم نــــدوة بعنوان "غياب الاتحاد وأثره على البيئة الجامعية"، فتقدموا بطلب لإذن إقامــــة الــنــدوة وإدخال مكبر الصوت الا ان الإدارة رفــــضــت التصريح لهم بذلك . تمسك الطلاب بحقهم في النشاط، وأقيمت الندوة في يوم الثلاثاء22/اكتوبر2002، فاستدعى المدير قوات الشــــرطة وانتهكت حرمة الجامعة ، وحوصر الطلاب العزل بالغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والمطاطي وضرب الطلاب داخل قاعـــــــات الدرس بكلية الهندسة أثناء محاضراتهم واعتقل العديد منهم. تواصلت الأحداث في يوم الأربعاء23 أكتوبر بمطالبة طلاب كلية الهندســـــة بإطلاق سراح المعتقلين واستقالة المدير ونائبه وادانة الاحداث، فتكاتف الطلاب وتضامنوا خلف المطالب وسيروا مسيرتهم والتي تصدت لها قوات الشرطة،  ولكن بصمود الطلاب ووحدتهم تمكنوا من التصدي وفي بسالة حقيقية لقوات الشرطة حتى طردهم ومطاردتهم خارج أسوار الجامعة، الأمــــــر الذي استدعى مدير جهاز الأمن صلاح بوش لإستدعاء قوات خاصة من وحدات الجيش أعدت لحـــرب المدن، فجـــاءت لتحـــارب الطــــــلاب وتمارس قمعها عليهم. صمد الطلاب في معركة أصيب فيها حوالي أكثر من 20 من الطــلاب بإصابات متفرقة ناتجــــة من رصــــــاص حي ومطاطي وشـــــظايا بعض المتفجرات غير الضرب المباشـــر بالأيدي والعـصي، بالإضــــافة إلى اعتـقال حوالي أكثر من 200 طــالب، رحــــلت أعداد كبيرة منهم إلى سجن "دبك" بمدينة شـــــندي وتعرضـــوا لتعذيب وحشــــي داخل معتقلاتهم.

     تواصلت ممارسات السلطة نفسها باقتحام مجمع شمبات في يوم الخميس، والتربية في صباح الجمعة حيث تم إعتقال الطلاب وإخـلاء داخلياتهم، ويوم السبت بالمجمع الطبي. وقد برز بشكل واضح خلال الأحداث الاسلوب القمعي لأجهزة السلطة في إعتــــــقال الطــــــلاب وتعذيبهم، كما برز السلوك اللااخلاقي لقوات الشرطة، فقد قاموا بعمليات نهب منظم تمثل في سرقة حوالي خمسة مليون جنية من مكــتب استاذ بكلية القانون، قرابة ال100 هاتف نقال من طلاب كلية الطب، بالاضافة إلى سلاسل وحقائب الطـــالبات... الخ. كما قاموا بتـخريب معامل الفيزياء وقاعات الدرس ومكاتب الاساتذة وبنهب كافتريا كلية الطب وأكل وشرب ما فيها!!

     لقد إمتدت يد بطش السلطة إلى أساتذة الجامعة، فضرب بروفسير/ صلاح أحمد محمد الفكي و د/عمار الطاهر نائب عميد كلية الطــب بالاضافة الى العديد من مساعدي التدريس بكلية الفيزياء، وبعض الموظفين والعمال ومؤذن مسجد كلية الطب. كما تم إستدعاء و إعــتقال نائب مسجل كلية الطب ياســــر محمد الحســـن  من منزله حيث تعرض لتعذيب وحشي تطلب بقاءه لمدة اسبوع في قسم العناية المكــــثفة بمستشفى الشعب التعليمي.

    بالرغم من كل ذلك لم يحرك المدير ساكناً بل عزز كل مقدرات الشرطة لتوظيفها لإكمال إحتفالات التخريج المقاطـــعة أصـــــلاً مـــن الطلاب والخريجين فكان إهدار ملايين الجنيهات في إحتفالات وكرنفالات ليست بذات عائد حقيقي ومادي  لطلاب الجامعــة، فــي وقـــت يفقد الطلاب فيه حقوقهم الأساسية في السكن والإعاشة ومجانية التعليم ويعانون من نقص الكتب والمراجع ومواد المعامل ..الخ.

     دخل الطلاب في اعتصام مفتوح بعد رفع مذكرة لمدير الجامعة توضح مطالبهم، وكالمعتاد لم يســتجب اليها، فتواصل الإعتصـــــــام. جاءت أحداث الاثنين 11/ نوفمبر منتصف الليل بكلية التربية حينما قامت مجموعات من طلاب المؤتمر الوطني ومليشيات حرب الـمـدن وأجهزة الأمن وقوات الشرطة بالهجوم على سكن الطلاب وضربهم وإعتقال العديد منهم،  و شـارك في هذه الاحداث مشرفي ما يســــمى بصندوق دعم الطلاب. تكاتف الطلاب في يوم الثلاثاء وظلوا يقظين حتى صباح الاربعاء لحماية حرمهم الجامعي وسعوا للوصول إلــــى إتفاق مع إدارة كليتهم حول بعض المطالب الا أنها لم تكتمل لبوادردخول الشرطة للكلية، فما كان منهم سوى الثأرمن طلاب الســـــــــلطة وأفراد الأمن. وخلال نفس يوم الأربعاء  بمجمع شمبات دخلت مليشيات عسكرية لطلاب المؤتمر الوطني بالجامعات السـودانــــية وجهاز الأمن مســــــلحين بالسيخ، فقاموا بالهجوم على الطلاب وضربهم، لكن سرعان ما إنقلب الوضع بوحدة الطلاب، فالحقت هزيمة نـــــكراء بهم، وقد تم إعتقال مجموعة كبيرة من الطلاب في ذلك اليوم لم يطلق سراحها حتى الآن. عــقــبت هـــذه الأحداث إعلان الإدارة إغـــلاق الجامعة ولأجل غير مسمى عند الساعة 2 صباح الخميس14/ نوفمبر، حيث سرعان ما قامـــــت الأجهزة الأمنية  بإخـلاء داخليات سكن الطـــــــلاب والطالبات قبل شروق الشمس.

      لسنا دعاة عنف، ولكنا ظللنا نؤكد أن العنف لا يولد إلا العنف المضاد. وجل هذه الأحداث تشهد على أن من يـــبادر دوماً هم قــــوات السلطة المختلفة وطلاب تنظيمها المتهالك بالجامعة. وكلنا يعلم أن تنظيم الإتجاه الإسلامي تاريخياً هو أول من أدخل العنف في ســـــــاحة نشاط الجامعة في عام 1968 (الشهيرة بأحداث العجكو). ومنذ 1989 ظل تنظيم سلطة الجبهة الإسـلامية بالجامـــعة يفرض نهـــجــه في إستخدام العنف، الأمر الذي ولد الوعي والقدرة الكافية لإمتلاك أدوات الحماية والعنف المضاد وسط الحركة الطلابية.   

     تابعنا عن كثب التطورات داخل أروقة أساتذة الجامعة. ندعم ونشيد بما إتخذوه من موقف إيجابي تجاه الأحداث، كما نشــــيد بقرارات إجتماع مجلس أساتذة كلية الطب بتاريخ 27/10 والذي أعلن فيه الأســـاتذة إضـرابهم ليوم الســـبت 2/11 ورفعوا على ضوءه  مذكــــرة لعمر البشير وطالبوا بتقصي الحقائق، إحتجاجاً على دور إدارة الجامعة والسلطة في الأحداث. كما نشيد وندعم المواقف الإيجابية لمــعظم أساتذة الجامعة التي إتضحت جلياً في إجتماعات المدير مع أساتذة المجمعات المختلفة، والمطالبة بإستقالة المدير ونائبه، بالإضــــــافة إلى إعادة جسمهم النقابي المحلول منذ مجيء السلطة الفاشية في ال 30 من يونيو1989.

    لقد ظلت إدارات الجامعة المتعاقبة منذ إنهيار الديمقراطية داخل هذه المؤسسة العريقة بمجيء سلطة الجبهة الإسلامية تقوم بممارسـات تؤكد عمالتها للسلطة. فظلت تمرر مخططات السلطة المستهدفة لهذا الصرح العظيم، ويشهد التاريخ على ذلك بإلغاء الســكن والإعاشـــــة وحل الجمعيات والروابط وحظر وتجميد النشاط لعدة سنوات ثم تحجيمه، بالاضافة إلى التامر في تزوير إنتخابات اتحاد الطــــــــــلاب ثم تجميده منذ عام 1997 وحتى الان. بالاضافة إلى التنسيق التام مع الأجهزة الأمنية في الإعتقال والإغتيال، فحادثة إغتيال الشـــهيد الزميل الطـالب محـمد عبد الســلام في أغسطس 1998 أكبر دليل على ذلك حيث شـاركت إدارة الجامعة ممثلة في عبد الملك محمد عبد الرحمن (المدير الحالي) ونائب المدير في حينها وابراهيم عبد السلام عميد الطلاب في حينها بإستلام الجثمان من جهــاز الأمــــن ونقله وتســـليمه لزويه بمديـنة مدني، وحتى الان لم يعلُ صوت من إدارة الجامعة يطالب بالتحقيق في هذه القضية !!

    تتحمل إدارة الجامعة الحالية المسؤولية عن كل الأحداث الأخيرة ، فهي التي وضعت قيوداً للنشاط، وهي التي ألغت إنتخابات الإتـحاد، وهي التي إستدعت الشرطة والأجهزة الأمنية إلى إقتحام الحرم الجامعي. وهي التي لم تستجب لمطالب الطلاب الموضوعية، وهي الـــتي لم تدن ما حدث من قبل قوات الشرطة والأمن من نهب وإرهاب وإصابة وإعتقال، بل مجدت وعظمت دورها.

    برزت خلال الأحداث أزرع جهاز الأمن داخل الجامعة، وقد اتضحت جلياً الصلة بين الحرس الجامعي وموظفي الصندوق وبين جهاز الأمن في الإعتــــقال والتعذيــــب والتجسس على الطلاب ونشاطهم.

     لقد عكست هذه الأحداث مدى ضعف وهشاشة النظام، وقد جاء قرار الإغلاق لإخراجها من مأذق حقيقي وتاريخي امام طلاب جامـعة الخرطوم. عملياً فقد واجهت السلطة الطلاب عسكرياً بإستخدام طلاب المؤتمر الوطني، الشرطة والجيش لقمع الطلاب بكل أدواتـهم مـــن سيخ وعصى وحتى الأسلحة النارية والمروحيات! كما سعت لمواجهة الطلاب تفاوضياً بإرسال الجميعابي (محافظ الخرطوم) للقاء لجــنة الطلاب وممثلي التنظيمات لإمتصاص التصعيد بوعود زائفة. كما واجهتهم أمنياً بحملات إعتقال واسعة، وإعلامـــياً بتغييب الرأي العـــام بإصدار بيانات كاذبة، ومنع الصحف من نشرأي موضوع  أو تغطية حقيقية لأحداث الجامعة.

     نؤكد رفضنا لإغلاق الجامعة، فهو ليس بحل للمشكلة الأساسية، وستظل مطالب الطلاب هي المدخل لعلاج الأزمة الحالية بتــــنـفيذها كاملة، حتى يتهيأ مناخ إستقرار حقيقي داخل الجامعة يمكن الطلاب من مواصلة دراستهم، ونشاطاتهم الأكاديمية ، والثقافية، والسياســـية، والرياضية، والإجتماعية بحرية بالإضافة إلى إنتخاب منبرهم النقابي. 

      نثمن انتصارات الطلاب في هذه الأحداث، بدءاً بالوحدة الحقيقية بينهم خلف لجان كلياتهم ولجنتهم المـــركزية وتحالف التنظيـــمــات السياسية. كما نثمن إنتصاراتهم ميدانياً في صمودهم وتصديهم بل وهزيمتهم لقوات الشرطة والأمن وطلاب السلطة في المعارك المختلفة.

    إن أحداث اكتوبر- نوفمبر أحداث سجلت للتاريخ في سجل إنتصارات الحركة الطلابية موحدة من أجل مطالبها النقابية، وما شهدته من أحداث سيظل في رصيد  تجربة الحركة الطلابية بتثبيت الإيجابيات، وبمراجعة السلبيات وما ارتكب من أخطاء، وهذا مســـار طبـــــيعي في مد الحركة المطلبية والجماهيرية تطور على ضوءه  تكتيكاتها وأدواتها.

      إن عنف السلطة الموجه ضد الحركة الطلابية لا ينفصل عن السياق العام للأزمة السودانية بغياب الحريات الأساسية للمواطن والقمع الموجه ضد جماهير شعبنا بمختلف قطاعاته، لهذا يبقى الرهان على وعي الحركة الطلابية بمكتسباتها ووحدتها والتفافها حول أجسامــــها المعبرة عنها مدخلاً لإنتزاع حقوقها المهضومة وعودة منابرها  كمقدمة لخلق بيئة جامعية سليمة ونشاط طلابي معافى، وكذلك على وعي كافة القطاعات الأخرى بقضاياها ومطالبها والنضال من أجلها لكي نراكم نضالاتنا حتى إنتزاع الحريات كاملة، وعودة الديمقراطـــــــيــة وسيادة حكم القانون وإحترام حقوق الإنسان.

 

معاً لإطلاق سراح المعتقلين.

معاً ضد إغلاق الجامعة.

معاً من أجل عودة إتحاد بدون تزوير.

معاً من أجل حرية وديمقراطية النشاط.

معاً من أجل وقف أنتهاكات أجهزة السلطة للحرم الجامعي.

 سكرتارية مركزية الجبهة الديمقراطية للطلاب السودانيين نوفمبر 2002