عثمان محمد صالح - هولندا

تداعيات فلسفية لصورة صدام حسين الأخيرة

 
 

1-    الخيار المُضِلل :

وسط الدوي الهائل الذي أحدثه قرع طبول البهجة وصدوح المزامير فى العديد من العواصم العربية، احتفالاً بنبأ إلقاء القبض على صدام حسين فى 13/12/2003م، كنت أشعر أنني – وبكيفيةٍ ما- لست يتيماً فى إنفعالاتى ولا مُتفرداً فى رد فعلي تجاه الحدث الذى عم أقطار العالم منتشراً فيها إنتشار النار فى الهشيم.

كنت على الرغم من وحدتى الظاهرية أو رُبما بفضلها أستشعر دفء الحضور المشاطِر والمؤازر لمن ادعوهم بـ " أحباب الروح "، تلك القلة النادرة التى إختارت عُسر الهامش ومتاعبه الجمة، رافضة إغراءات الرضوخ والامتثال لحكم " الامر الواقع "، شاقة عصا الطاعة، سابحة ضد التيار العارم الذى هيجت امواجه العاتيات أسطورة " رسالة التحرير " التى يدعى حمل لوائها تحالف تقوده الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا، مُرددة أن الحرب التي صار ميدانها تراب العراق ليست – مثلما يُروج لها- بين جحافل البربرية والإستبداد الآسيوى من جانب ورُسل التقدم والمدنية وأنبياء الحرية الجدد من الجانب الآخر، مفندة مزاعم وحجج الإدارة الأمريكية التى نجحت فى حشر العالم على اتساعه وتنوعه فى ضيق الخيار البائس المضلل: إما خندقنا نحن رُسل العالم الحر وإما خندق صدام حسين!، ساعية لنفخ الروح من جديد فى جسد الحقائق التي ديس عليها بالنعال وفى مقدمتها حقيقة أن الحرب أية حرب بما هي الحرب – لا تتقد شرارتها دفاعاً عن أهداف مثالية حتى وأن تزيا الفريقان المتحاربان بهذا اللبوس أو تقمصا ذاك الرداء بغية التضليل وذر الرماد فى العيون أو بغرض التبرير أو بهدف إراحة الضمير. إن الحرب – فى التحليل الأخير- صراع إجتماعى ضروس تحفزه وتلهب جمره " هَبابة "۱- مصالح دنيوية بعينها يمكن تمييزها وتحديد هويتها ووضع العلامات التى تربط أو تفصل بينها، بغية منحها الأسماء التى تناسبها والنعوت المُعبرة عن مضمونها: هوس حيازة الثروة المادية والرمزية، حُب التملك والإستحواز على مغانم وأسلاب صراعات المكان، شهوة السيطرة على حيوات ومصائر " الآخرين "، الرغبة المحمومة فى بسط النفوذ وتوسيع نطاقه الى ابعد مدى ممكن... هكذا كان الامر دوماً حتى فى ظل الصراعات المُلغِزة بين الآلهة فى الأساطير اليونانية القديمة ، هكذا كانت طبيعة الحال فى حروب التحرير الوطنية إبان الحقبة الاستعمارية، هكذا تتكشف سير وتواريخ حروب العصابات التى تقودها جماعات تحتكر لنفسها إمتياز أحقية وشرعية مخاطبة الآخرين صفوة كانوا ام عامة – من برج عالٍ باسم الثورة والتغيير الاجتماعى وتأسيس جنة الله على الأرض، هكذا تتبدى طبيعة دوافع وأهداف الحرب الأخيرة التى صار مسرحها العراق.

            إن البشر بما هم بشر، مهما بلغوا من شأوٍ عالٍ فى مدراج المدنية والتقدم ومهما ثقلت كفتهم فى موازين الطهارة والعفة والزهد والتسامى بحثاً عن الكمال، لا يقاتل بعضهم بعضاً نيابة عن ملائكة أطهار أبرار ولا دفاعاً عن آلهةٍ مُمجدة، إذ لامكان للوصاية العشرة فى أجندة الحروب وأذهان المتحاربين !!

2- حاكم مخلوع أم متسول بائس:

            رجلُُ إنحدر به مجرى الأحداث والخطوب الى خريف العمر دون سابق انذار، مُجرد من أبهة السلطة وصولجان الحكم، هَيئته العامة رثة، شعره منفوش، متغضن ملامح الوجه وشاحب شحوب الموتى، متورم الأجفان كأنه لم يذق طعماً للنوم منذ ألف عام، نظرات عينيه زائغة وجوفاء كتلك التى أعتدنا مصادفتها لدى نزلاء مصحات الأمراض النفسية والعقلية، يمشط بيدٍ معروقة شعيرات لحيته المهملة الشيباء، يتملكه قلق مميت وهو يرى بأم عينيه تُختتم فصول حياته بكابوس خانق بعد أن تهاوى فجأةً صرح سلطتة الغاشمة والذى شيد لبناته من جثث معارضيه وضحايا الحروب العبثية التى أشعلها ضد جيرانه فأقلق بها أمن المنطقة فاتحاً " نفاجاً "۲ سرعان ما استحال الى بوابة واسعة امام النفوذ الأجنبى. تلك بإيجاز ملامح الصورة الأخيرة لصدام حسين بعد اعتقاله والتى تعمد الأمريكان تقديمها للعالم وتسويقها عبر شاشة CNN فتسابقت وتبارت فى بثها بقية القنوات التلفزيونية.

            أنها لصورة تدعو للأسف والغضب معاً، إذ أنها وبطريقةٍ ما تشبه افعال السحر – يبدو أن هذه وظيفتها – تجعل المشاهد ينسى فى غمرة إنبهاره وإنغماسه فى دقائق التفاصيل الدراماتيكية لعملية الأعتقال، أن الصورة لا تخص متسولاً بائساً فى شوارع بغداد، بل تنتمى لمن كان حاكماً لبلدٍ عريق فى حضارته ونشوء دولته مثل العراق !

أنها، ومن أية زاوية أتيتها تضُمر رغبةً دفينة فى التشفي والتشفي كما هو معلوم ليس من شيم الكرام . إنه لا يمت الى قيم العدالة بأية آصرة قرابة أو صلة نسب . إنه دليل إنحطاط لا علامة تسامى لمِن يبشر بعالم تسوده راية الحرية وتُصان فيه كرامة الإنسان حاكماً كان أم محكوماً. إن التشفي – فى آخرالتحليل ـ تمثيل سادي بالأحياء ألمنهزمين وقد كُسـرت شـوكتهم !

            إن تجريد حاكم من هيبته بتلك الطريقة التى تعرض لها صدام حسين فيه مساس بعُرف طاهر " إرحموا عزيز قومٍ ذل "، فيه تجريح واهانة لهيبة الدولة التى كان صدام حتى وقت قريب رأساً لها ." إننى أستخدم مصطلح الدولة الوارد أعلاه حسب التعريف السوسيولوجى العام كإطار شرعى ينتظم من خلاله المجتمع سياسياً، وليس كبديل  أو مرادف  أو قرين لمصطلح السلطة السئ السمعة والمثير للعواطف المتصارعة نتيجةً لإرتباطه المُحكم بتاريخ يرزخ تحت وطأة أثقال من السيئات والموبقات وفاحش الأعمال ووحشي الممارسات التى تقذفنا دفعةً واحدة إلى غياهب عالم ظلامى، قاتم، شبحى، ينضج السادية ويطفح بآيات الرعب والعنف وسائر أدوات ووسائل تدجين وقهر إرادة المارقين الرافضين التسليم لمشيئة الصفوة الحاكمة المستبدة".

3- خاتمة:       

                  تستنهض صورة صدام حسين الأخيرة – ضمن ما تستنهض – سيلاً عرمرمأً من علامات الإستفهام والتعجب، يدور معظمها فى فلك تقصى الدلالات السياسية المباشرة لعملية الإعتقال. وبما أننا معنيون هنا بالبحث فى الدلالات والآثار الأخلاقية للفعل السياسى، وصورة صدام الأخيرة هي فعل سياسى بإمتياز، فإن طرح الأسئلة التالية يُعد فى نظرنا خير خاتمة لهذا المقال:

)أ ) ألسنا نحن البشر – فى بحثنا المحموم عن رموز تمثل اواصر إجتماعنا وقوة تلاحمنا ورغبتنا فى الخلود الاجتماعى – من نقوم  بتأليه وتمجيد القادة أمثال صدام : نأسطرهم ونمنح وجودهم فى الخطوط الامامية فى معارك البقاء والترقى بعداً ميتافيزيقياً يمكنهم من عبور حواجز المكان وقيود الزمن وخرق قوانين الإجتماع البشرى؟

(ب) ألسنا نحن البشر أيضاً من نُحول القادة إلى شياطين إبان التمرد على سلطانهم والإنتفاضة ضد جورهم وإستبدادهم، فنقوم بحرمانهم من حق الإنتماء الى الجنس البشرى المثقل بتناقضات جبلته المحكوم عليها بعقوبة السعي المؤبد ما بين صفا الخير ومروة الشر، بحثاً عن زمزم الحقيقة والعدل والمساواة ؟

(ج) أليس الخاسر فى كلتا الحالتين هو الإنسان... إنسانية الإنسان ؟.

 


۱-الهبابة: ( عامية سودانية) : أداة منزلية مصنوعة من السعف تُستخدم لنفخ الهواء فى النار المتقدة فى قطع الفحم او الحطب بغرض إلهابها.
۲- نفاجاً: (عامية سودانية) : باب او ثغرة صغيرة.
 

بقلم عثمان محمد صالح – هولندا
Osmanmsalih@hotmail.com

 
     

فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية