عثمان محمد صالح - هولندا

تأملات سوسيولوجية فى بعض قضايا التغيير داخل الحزب الشيوعى السودانى

 
 

(الجزء الأول)

مقدمة:-

قد يقول قائل لم الاهتمام بشئون حزب غادرته ذات يوم بمحض ارادتك في لحظة صحو وادراك كامل؟ وقد يقول آخر في ما يشبه الاستعلاء: أهل مكة أدرى بشعابها، ففيم التعب؟! للأول أقول إن لم يكن سعياً وراء منفعة زائلة أو جرياً وراء سلطة حاكمة فإن الخروج من صفوف الحزب الشيوعي لا تعني –على الاقل بالنسبة لي- استبدال مشاعر المودة والانتماء بأخرى هي العداوة والجفاء، فبين هذه وتلك يتسع صدر الزمان والمكان في أريحية وكرم مفسحاً لحميمية الروابط الإنسانية التي لا يعكر صفوها نقداً او اختلاف أو مروق  ولاحترام المرء لذاته ولتاريخ ارتباطه بالمؤسسة الحزبية مساحة رحبة وظليلة. وأقول للثاني بدون ضيق في الجوانح: أصبت كبد الحقيقة فأهل مكة حقاً أدرى بشعابها و(غوشها) أيضاً. لكنني لا اكتب من مواقع الواعظ فما أنا بواعظ. هناك من الدوافع وهي كثر ما حفزني للتأمل والكتابة في هذا الشأن اذكر منها هنا أهمها وهو سياسي يتمثل في رغبة المساهمة – على تواضعها – في الجدل الملتهب في قلب الحزب وبين أنصاره وهو يخوض معركة المصير في أن يكون أو لا يكون.

إنني أرى أنه لا يصب في مصلحة الحركة السياسية في السودان تحول أي طرف من أطرافها (الحزب الشيوعي كمثال) إلى تركة هاملة تتنازعها بقية الأحزاب والتنظيمات (الحزب الحاكم يقع خارج إطار التحليل لأن منظوره الشمولي ونزعته الاستئصالية للآخر واحتكاره المطلق للفضائين السياسي والاقتصادي وادعائه أحقية التمثيل القومي في واقع يموج بالتعدد، كل هذا يجعله يرى افضل الاحزاب قاطبة هو ذاك الحزب الموجود في خانة العدم). إن شهية الاستحواذ على "ميراث" الحزب الشيوعي (ظاهرة كانت أم مستترة" منظور اليها بمصطلحات السياسية لا علم الاخلاق هي ضعف وضحالة في التحليل وقصر في النظر السياسي وهو فوق هذا وذاك حالة مرضية مزمنة أصابت الحركة السياسية السودانية منذ بواكير نشأتها لم تشف منها حتى الآن.

إن في غياب الحزب الشيوعي أو أي حزب آخر هو تبديد غير مسئول ومهلك لجزء من تجارب المجتمع وإهدار عبثي غير مبرر لطاقات بذلت وحيوات بشرية صرفت أو أزهقت.

إن استمرارية وجود الحزب الشيوعي بهوية جديدة ينحتها ويصوغ ملامحها العقل الجمعي لأعضائه وأنصاره، حزب راسخ المبنى، متجدد الأفكار، متلمس لاحتياجات مجتمعه ومنفتح على قضايا العصر وتحدياته ليست هدفاً لذاته بل هي ضرورة يفرضها التفكير المتمعن في قضية الديمقراطية ومستقبلها في السودان. فمن نافل القول الاشارة إلى حقيقة معلومة وهي أن التجربة الديمقراطية في السودان لن يكتب لها النجاح والتطور إلا في ظل صراع سياسي حقيقي دون قهر بين قوى وجماعات المجتمع المدني المتمرسة خلف مصالحها الفئوية الطابع والدنيوي المحتوى، والحزب الشيوعي – في وجهة نظري – يمثل منذ سنوات ميلاده الأولى مفاعلاً نشطاً من مفاعلات هذا الصراع.

مما سبق ذكره يمكن التلخيص إلى التالي:

إن في تجيد الحزب الشيوعي إضافة نوعية وعامل إخصاب لمشروع الديمقراطية والتحديث (المجهض) واشاعة العقلانية والتنوير في السودان.

*- قد تبدو التأملات الواردة أدناه أشبه بمتفرقات وما هي بمتفرقات. إن ما يجمع شتاتها هو رغبة كاتبها في أن تصير "قواديس" في ساقية التغيير داخل الحزب، قواديس قادرة رغم تواضع حجمها وضيق عبوتها على جلب الماء من نهر الحياة الدفاق إلى جروف ضربها عطش وتصحر حتى تشققت.

1- المؤتمر الخامس بين عادية الحدث واستثنائيته:-

يحسب البعض ممن ضاق صدره بحالة الانتظار الطويل في ظل المراوحة التي تتسم حركة الحزب الشيوعي في اتجاه مؤتمره الخامس أن انعقاد المؤتمر سيكون فيه شفاء ناجع وعاجل لمرض عضال ألم بجسد الحزب وشل قواه، متناسياً حقيقة أن المؤتمر – أي مؤتمر – هو حدث عادي في حياة كل حزب أو مؤسسة من مؤسسات المجتمع، وأن الحزب الشيوعي ليس استثناءاً من هذه القاعدة. صحيح أنه من غير العادي ألا ينعقد المؤتمر طيلة ال34 عاماً المنصرمة. لكن الملابسات والظروف المحيطة بهذا التأجيل الخارق للعادة وهيكل الآمال العراض الذي يزداد علواً وتسامقاً كلما اصطكت بالآذان المتشوقة كلمة "المؤتمر" المصبوغة بطابع سحري – كل هذا وغيره لن يجعل من المؤتمر الخامس عصا موسى التي فلقت عباب البحر ولن يمنحه مسحة من بركات المسيح وكراماته التي تشفي الأسقام وتحيي الموتى. واهم وحالم كل من ينتظر قدوم الخلاص المسيحي على يد مقررات المؤتمر ونتائجه. ليس في وسع مؤتمر طال انتظاره اكثر من ثلاثة عقود من الزمان البت في أمر كافة القضايا المعلقة والاشكالات المطروحة في جدول اعماله. لن تحل إلا تلك القضايا "المقدور" عليها حسب طاقة الحزب الحالية وتجربته التاريخية وقدرات المشاركين فيه وتوازن القوى والمراكز الفكرية الناشطة في داخله. هذه حقائق معلومة من الأهمية بمكان التذكير بها وخلق مناخ نفسي مساعد لتقبلها والاعتراف بها والتصالح معها. بتعبير آخر المؤتمر الخامس بداية وليست نهاية لمشوار طويل وقاس الهدف من قطعه بخطى حثيثة ومتزنه هو استرداد الحزب الشيوعي لعافيته الفكرية والتنظيمية بالتدريج. هذا ما تقوله تجربة الحزب نفسها وتجارب الاحزاب الشيوعية المطعونة في ماضيها والمشكوك في مصداقيتها بعد انهيار أنظمة الحكم الشمولي والمحاكمة التاريخية التي تتعرض لها الماركسية ومشروعها في التغيير الاجتماعي. أما استعجال النتائج وحرق المراحل ومنهج "القفزة الكبرى" فلن ينتج عنها إلا مسخ مشوه، طفل غير مكتمل النمو في أحسن الأحوال.

2- مفهوم التغيير:

التغيير داخل الحزب ليس قطيعة كاملة مع التقليد. هو مراجعة فاحصة وصارمة لتراث الحزب وليس إلغاءا أو شطباً عدمياً لتجارب الماضي. إنه ليس انقلاباً على القيادة تحركه نوازع الثأر وروح التشفي والغبن والرغبة في تصفية الحسابات القديمة. هو سعي حثيث يرتكز على ما هو إيجابي ونير في تجارب وتضحيات الأجيال المؤسسة وحراك في اتجاه المستقبل واجتهاد خلاق واجتراح وابتداع لأشكال ومداخل للعمل تتناسب وتتمشى مع طبيعة الظروف المتجددة ومقاربة موضوعية بذهن مفتوح لحقائق الواقع الامبيريقى في حيويته وثرائه وتعقيداته ومفاجآته السارة والمحبطة في آن واحد.

إن ما هو بحاجة ماسة للتغيير هو فلسفة التغيير نفسها. لقد خبرنا من حصيلة التجارب أن قضايا التغيير الاجتماعي والحزب الشيوعي جزء منها أعمق واكثر تعقيداً من أن يحسمها ويفصل في أمرها نهائياً قرار حزبي أو وزاري أو فرمان ملكي ... الخ فالتغيير الاجتماعي ليس ابدالاً ميكانيكياً  لشيء ما وإحلال شيء آخر مكانه (رفع أعلام الدول والجيوش المتحاربة تبعاً للهزائم والانتصارات العسكرية على سبيل المثال) وهو أيضاً ليس انتقالاً بدوياً من بقعة اصابها القحط والجفاف إلى أخرى اكثر خضرة وأوفر ماءاً. إنه عملية اجتماعية طويلة المدى (ربما بلا نهاية) ديدنها مبدأ الارتقاء، تتقدم وتنتكس، تصمد وتهبط لكنها تستمر في الحراك والفاعلية وهذا هو المهم: الحركة لا السكون. أما مشروع التغيير الاجتماعي في نسخته الثورية الراديكالية فهو لا يهدم بحق ولا يبني بحق. (من عبث الاقدار وقسوتها أن الحزب الشيوعي السوداني الذي أسهم بقدح معلى في ادخال مفهوم التغيير الراديكالي إلى السودان ورسخه جاعلاً منه جزءاً عضوياً من بنية الثقافة السياسية اصبح هو الآخر قرباناً ضحى به في محرقة التغيير نفسها – تجربة 1971-).

إن التغيير العميق الجذور هو ذاك الذي لا تقطف ثماره الاجيال التي كدت واجتهدت وضحت في سبيل انجازه لأن نتائجه ببساطة ملك للمستقبل.

3- الهوية الزائفة:

منذ انهيار نموذج "اشتراكية الأمر الواقع" سال وما يزال الكثير من الحبر – داخل الحزب الشيوعي وخارجه – قرباناً لموضوع الهوية الماركسية للحزب. قرر البعض أن الحزب الشيوعي قد فشل في مسعاه لسودنة الماركسية، وشكك قسم آخر من الناقدين والناقمين في شرعية وجود الحزب زاعماً أن الماركسية قد فشلت كنظرية للتغيير الاجتماعي وتمترس البعض داخل أروقة الحزب مستميتاً في الدفاع عن الهوية الماركسية المغضوب عليها. هذا الجدل برمته أراه غير ذي موضوع. بتعبير ثان هو معركة في غير معترك. حجتي في ذلك بسيطة: الحزب الشيوعي السوداني لم يكن حزباً ماركسياً في يوم من الأيام. العبرة فيما يخص الهوية ليست في الاسم ولا العنوان بل في طبيعة التكوين الفكري لغالبية اعضائه والمداخل التي اقتربوا من خلالها من الحزب والأهداف التي جذبتهم نحوه.

الحزب الشيوعي في رأيي هو حزب لينيني. أما الماركسية التي انداحت امواجها حتى وصلت الينا في السودان فهي نسخة من ماركسية الكومنترن. ماركسية شاحبة، عجفاء، ركيكة، سوقية، دوغمائية مبسطة إلى حد الاخلال، تبشيرية قائمة على منهج الاقتطاف الكسول والاستشهاد الديني الطابع بالنصوص المحفوظة المقدسة، أرهقتها متطلبات العمل السياسي المباشر وتطفل العقل الوثوقي المستهلك. لهذا السبب بالذات – في تضافره مع اسباب وعوامل اخرى – ظل إسهام الشيوعيين السودانيين هزيلاً وضامراً في حقل الانتاج الفكري والفلسفي.

لقد غادر الحزب الشيوعي "نص" الواقع بحيويته وألقه وتجدده اللا نهائي ميمماً شطر قبلة هي النصوص نصبها إلهاً خالداً شيد له محراباً للطواف والنسل والعبادات واتسم تعامله وتعاطيه مع الماركسية بطابع المتطفل الذي يعتاش على النصوص مستنفداً رحيق الحياة في عروقها حتى جفت وذوت: يجتزؤها ويقطع أوصالها ويخرجها عنوة وقهراً من سياقاتها ويحولها في آخر الامر إلى سلاح فكري لهزيمة الخصوم وما استخادم ركام الكتب والمؤلفات الكلاسيكية في حرب "النصوص" إبان الصراع داخل الحزب عام 1970 إلا اكثر الامثلة قبحاً ودمامة ودلالة على ما ذكرت.

إن الصاق لافتة الماركسية على بضاعة الحزب الفكرية والسياسية لم تكسبه الهوية الماركسية وبنفس القدر فإن طرد "كلمة الشيوعي" من واجهته لن تعني آلياً انتفاء شيوعيته.

4- الهوية الإمبيريقية:

الهوية الإمبيريقية ليست صورة "الذات" عن نفسها ولا صورة "الذات" منعكسة من مرايا الآخرين ولا تفاعل الصورتين في انسجام أن تناحر. إن حملة التحضير والاعداد للمؤتمر الخامس فرصة يتلمس فيها الحزب الشيوعي هويته الإمبيريقية قبل أن يتقدم بطاقته التعريفية الجديدة للمجتمع السوداني وحركته السياسية. طليعية الحزب، هويته الماركسية، عماليته، دفاعه عن قضية المرأة والقوميات المضطهدة والمهمشة ... الخ كل هذه الاكليشيهات من الضروري اختبار صحتها وقياس مصداقيتها في التعبير عن حقائق الواقع العياني الملموس من خلال احصاءات ووثائق واستبيانات يمكن من خلالها التعرف على الآتي (مثالاً لا حصراً):-

·         التركيبة الاجتماعية للحزب مهنياً، قبلياً، دينياً، تعليمياً ... الخ

·         التركيبة العمرية لأعضائه

·         موقع المرأة في بنيته ووزنها في نشاطه وقيادته

·         طبيعة التكوين الفكري لأعضائه

·         أثر العائلة وتقاطعه مع مبدأ الكفاءة والأهلية للقيادة

·         نوعية المداخل التي تقرب الأفراد من الحزب: صحافته، أدبيات الحزب، كتاب، صداقة تأثير عائلي، نموذج التضحية ونكران الذات الذي يمثله الشيوعيون.

5- المثقف:

المثقف هو عقل الحزب ونبض حسه النقدي. دوره ووظيفته إثارة البلبلة وإشاعة روح الشك النقدية لا تقديم المسلمات وإجابات يقينية جاهزة ومستهلكة تبشر بالإيمان وتبعث على الاطمئنان وتوفر راحة الذهن. فلم اصبح الحزب مؤسسة طاردة للمثقف بعد أن كان في بواكير نشأته مركز جاذبية وبؤرة استقطاب؟ في محاولة للعثور على اجابة للسؤال أعلاه تنتصب أمامي فرضية هي: مأزق المثقف داخل الحزب الشيوعي أنه يجد نفسه مطحوناً بين مطرقة طليعية الحزب التي كانت سبباً في انجذابه للحزب وسندان التمسح بالرداء العمالي الذي سيصبح سبباً لخروجه من صفوف الحزب، وما بين المطرقة والسندان تتبدى ملامح حياة حزبية فقيرة ضحلة يسودها الشك واحتقار المثقف كحامل لعقليته البرجوازية الصغيرة، وتغيب فيها قيم التعددية والتسامح الفكري. هذه الفرضية يمكن نفيها أو اثبات صحتها عندما يكتب المثقف المارق والمقيم دراما علاقته الملتسة بالمؤسسة الحزبية.

6- الحوار، الصراع الفكري والانقسامات:

تغيب تقاليد الحوار في حياة الحزب الداخلية مفسحة المجال لما يمكن نعتها بسيئات "حوار الطرشان" التي سرعان ما تستشري مستدعية تدخلاً عاجلاً لحسمها بآليات القمع التنظيمي وهي عديدة تبدأ بالتدجين والكبت الفكري بسلاح التصويت وتغليب وجهة نظر الاغلبية وتنتهي بالفصل وفظائع التشهير وتشويه السمعة وشطب التاريخ النضالي للأفراد بجرة قلم. سجل الصراع الفكري داخل الحزب الشيوعي مثله مثل كل سجل يؤرخ لكل صراع ينشب في اطار أية مؤسسة أو حزب مكتوب بمداد المنتصر مزهواً بأمجاد انتصاراته مغمساً يراعه في دماء المنهزمين. لكنه أيضاً وبمعنى من المعاني السجل الاكبر لحركة التغيير في بنية الحزب الفكرية والتنظيمية. لذلك من المهم نشر الوثائق والحقائق كاملة حول كل صراع أو انقسام. من المهم ايضاً استكتاب المنقسمين والمفصولين والتاركين لصفوف الحزب بناء على موقف فكري حول تاريخ الانقسامات والصراعات من زاوية نظرهم. نشر هذا التاريخ سيكشف للأجيال الحاضرة واللاحقة حقائق عن الكيفية التي يدار بها الصراع، مناخه النفسي، أدواته وآليات حسمه.

ديسمبر 2002

 

 
 

فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية