اقول ويدى فى الماء البارد

عبد المنعم الجزولى

 
 

 

1- وفقا لقرار اللجنة المركزية للحزب، والقاضى بمشاركة الحزب الشيوعى فى ((السلطة)) التشريعية دون السلطة التنفيذية، فان الحزب قد انتج بنفسه بضعة علامات استفهام، وعددا من علامات التعجب، مما قد يقود اما الى فهم (خاطئ) لتوجهات الحزب الاخيرة، واما الى فهم ( قاتل) لمجمل سياسة التحالفات الحزبية، والتى ظلت تشكل عمود النصف فى استراتيجية عمل  الحزب، منذ ايام الجبهة المعادية للاستعمار.

2- بديهى، ان التحالفات التى يسعى الحزب لتمتينها، وتمكينها بين منظمات المجتمع المدنى كافة، ليست، ولم تكن فى يوم من الايام، هدفا فى حد ذاته، بل كانت، وستظل وسيلة تستخدمها الجماهير ومنظماتها - والحزب من ضمنها- لاغراض تنسيق العمل فى دروب النضال الوعرة. ومن خلالها يسعى الحزب الى تعميم مفاهيمه، القائمة على العمل الصبور الدؤوب اليومى بين الجماهير  حتى تستكمل ادوات نضالها، ومن ثم، تلج الى تنفيذ ثورتها الوطنية بنفسها وليس بالوكالة او بالنيابة عنها، بديلا لمافهيم البرجوازيتين، والقائمة فى مجملها، على اهتبال كافة الفرص المتاحة لاجل الوصول الى السلطة، اختصارا لمشقة الطريق الجماهيرى الطويل. فى ميكافيللية تسمح بفتح كافة الابواب لتقبل الانقلاب العسكرى، كبديل عن الثورة الشعبية او - لاغراض حسن النية- كشريك اكبر للجماهير فى ثورتها. مما يمكن معه تقبل فكرة ان ينوب الجيش عن باقى الجماهير فى التخطيط، والتفكير، والتنفيذ، بل.... والاستمتاع بكل الفوائد العائدة من جراء الثورة.

3- من نافلة القول بان التحالفات بين التنظيمات السياسة- خاصة - لاتقوم باى حال من الاحوال على القناعات المشتركة فى كل الامور!! والا لتحول التحالف الى اندماج.  ولكن يسعى الناس لتقريب وجهات النظر حول كافة الامور والمستجدات وايجاد ارضية مشتركة تمكن الناس من العمل مع بعضهم البعض مما تعارفوا على تسميته بالحد الادنى المشترك. وفى حالة التحالف الخاص بالتعامل مع نظام الجبهة الاسلاموية ( صرف النظر عن التغييرات التى حدثت وستحدث فى تسميتها الرسمية) وهو التحالف المتعارف سياسيا على تسميته بالتجمع الوطنى الديموقراطى، فان الحد الادنى المشترك هو ماتم الاتفاق عليه فى اسمرا. ومن نافلة القول ايضا ان الخروج على مقررات اسمرا يعنى بالواضح خروجا على الاسس التى قام عليها التحالف!! وبالتالى تنسف وبشكل لاجدال حوله الاسباب التى تحالفنا من اجلها!! وقد كان السيد الصادق المهدى وحزب الامة فيما بعد صادقين مع نفسيهما ابلغ الصدق حين قررا الافتراق عن التجمع الوطنى، بسبب اختلاف الرؤيا.

4- قبل الاسترسال فى هذا المقال يجب التأكيد على انه ما من عاقل ليرفض اى اتفاق يؤدى الى وقف نزيف الدم والمال والجهد!! وفى نفس الوقت فان المخبول وحده يمكنه قبول هذا الاتفاق على اساس فرض الامر الواقع!! لان ذلك يعنى وببساطة اعلان الهزيمة من جانب واحد. اى اقرار بقاء الامر على ماهو عليه، وعلى المتضرر اللجوء الى طوب الارض يشبعه شكوى، الى حين يلتقط الفرقاء انفاسهم استعدادا لجولة جديدة من التحارب على اسس قد تبدو جديدة!!

5- من المعروف انه ومنذ ماقبل مايو69 عانى الحزب الشيوعى من تغلغل بعض مفاهيم البورجوازية الصغيرة فى امكانية النيابة عن الجماهير واختصار طريق نضالها بفعل عسكرى سريع وحاسم، وهو ما ادى الى اللبس الذى صاحب قيام انقلاب مايو وترجمة الناس له. حيث على الرغم من الموقف الرسمى والواضح للحزب الشيوعى والمتمثل فى البيان الداخلى الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية فى مساء 25 مايو69 والذى عبر بطريقة لالبس فيها ولاغموض من ان  ماحدث صباح ذلك اليوم هو انقلاب عسكرى قامت به بعض عناصر البورجوازية الصغيرة داخل الجيش متمثلة فى صغار الضباط، الا ان قسما معتبرا من قيادة الحزب كانت قد خاضت مسبقا فى التنسيق مع قيادة الانقلاب ناقلة الصراع الفكرى داخل الحزب الى ميادين اكثر شراسة ومجهزة الملعب السياسى بكل وسائل تحويل المباريات، لتحسم نتيجتها وفقا لكمية الدم الذى سيراق فيها. ذلك رغما عن ان الرأى الرسمى للحزب كان – ولايزال- يرى فى التحركات العسكرية بعيدا عن ميادين القتال، محض افتئات، واستقواء على الجماهير بادوات تتحمل ذات الجماهير دفع تكاليفها ونفقاتها وان عناصرها – اى عناصر البورجوازية الصغيرة  متمثلة فى صغار الضباط– لايمكن الاعتماد عليها فى صراع وطنى طويل النفس لما تتميزبه من تقلبات فى الرأى واندفاعات عاطفية ومزاجية فى بعض الاحيان!!

6- ذلك بالضبط ما دفع بالحزب الشيوعى وفقا لرؤية واضحة  حول طبيعة النظم الانقلابية الى رفض الانخراط فى مؤسسات مايو( وخلافا للرأى السائد، أو قل، الرأى الفروض قسرا لصالح الفريق الآخر، فان من قائمة الاتهامات التى ساقها جعفر نميرى ضد الشهيد عبد الخالق محجوب – باعتباره السكرتير العام للحزب الشيوعى السودانى - عقب اعتقاله مساء 16 نوفمبر 70  انك (( ياعبد الخالق، عارضت ثورة مايو منذ بدايتها وانك قمت ولاتزال بوضع العراقيل امامها قبل وبعد انتصارها وانك عارضت السلم التعليمى وعارضت تجنيد الشيوعيين فى جهاز الامن وعارضت ضرب الجزيرة ابا وعارضت حتى قرارات التأميم والمصادرة وميثاق طرابلس . انت خطر على الشعب وثورته وقد قررنا اعتقالك وانك لن ترى الشمس مرة اخرى!!)) كانت تلك بالضبط عبارات  اللواء انذاك جعفر نميرى فى حضور كل من الرواد  ابو القاسم محمد ابراهيم ومامون عوض ابوزيد وابو القاسم هاشم  وزين العابدين محمد احمد عبد القادر وعدد اخر من كبار ضباط القيادة العامة وعلى رأسهم  العميد انذاك محمود عبد الرحمن الفكى وجميعهم احياء يرزقون( فيما نحسب ) ويتمتعون بالثبات العقلى (فيما نظن) ويمكن لمن يشاء التوجه لسؤالهم وسماع افاداتهم بما نرجو ان يسهم فى اضاءة العتمة التى غشت بصيرة البعض منا وهم لايزالون يروجون لفرية ان مايو كانت انقلابا شيوعيا)

اعود فاقول بان ذلك كان موقف الحزب – الرسمى – باعتبار انه قرار وافقت عليه الاغلبية من اعضاء اللجنة المركزية

7- فى المقابل كانت بعض قيادات الحزب من اعضاء اللجنة المركزية وقسما معتبرا من كادر الحزب يرون عكس ذلك من ان الانقلاب الوليد يحمل بذرة الثورة وانه يمكن بالانخراط فى مؤسساته ان نسهم فى توجيهه الوجهة الصحيحة حسب مصلحة البلاد والعباد وان الفرصة مؤاتية الينا واننا يجب الا نضيعها.

ووقفت الغالبية ضد هذا. ووصفناهم بما سار بين الناس تراثا فى التوصيف السياسى. رغم انهم دعونا الى الانخراط فى سلطة وليدة اولا، وترفع نفس شعاراتنا ثانيا، بل ولديها الاستعداد لان تتحول الى قسم متقدم من اقسام نضالنا لو ساعدناها بالجكة!! ورغم ذلك وفى ثبات رؤية عظيم فضلنا ان ننحاز الى جماهير الشعب السودانى والعمل وسط قطاعاته  المتعددة عملا دؤبا صبورا ويوميا وقدمنا الشهيد تلو الشهيد فى الدروة وتحت اعواد المشانق وفى داخل المعتقلات وقدمنا التضحيات الجسام تشريدا وملاحقة واعتقال. ولانزال- احسب – اننا قادرون على الاستمرار فى ذلك.

فما الذى جرى؟؟

ولماذا رفضناها( مملحة) ونأكلها الان ( حافة)؟؟

وكيف نرفض لاحمد سليمان ومعاوية سورج الانخراط فى سلطة كان يمكن بقليل من الجهد ان تكون سلطة للشعب !! ونقبل الان الانخراظ فى سلطة تعلن  علنا وكل ساعة توجها ضد الشعب بل وضد الانسانية نفسها؟؟ والادهى والامر انها وبكل المقاييس العلمية تعتبر ميتة سريريا!!!

كيف نرفض العمل داخل سلطة كان لديها الاستعداد( المعلن على الاقل ) لكى تكون سلطة تقدمية ونقبل الان ان ننخرط فى اكثر السلطات رجعية على الاطلاق!! ومالفرق بين الانخراط فى السلطة التشريعية والانبهال فى السلطة التنفيذية الا كالفرق بين احمد وحاج احمد.

8- ناصب الحزب الشيوعى هذه السلطة العداء من لحظة اذاعة البيان الاول. وهكذا فعلت اغلب القوى التقدمية والوطنية الاخرى. لم يعمنا بريق السلطة عن التمسك بجوهر الديموقراطية، والتى انقلبت عليها تلكم الفئة الباغية. لا لسبب معلوم فى افق السياسة السودانية سوى ضيقها بعملية الممارسة الديموفراطية نفسها، تلك الممارسة التى فرضت اخراج الجبهة الاسلامية من السلطة عقب مذكرة الجيش الشهيرة وانتفاضة ديسمبر 88. واستباقا لقطع الطريق امام توقيع اتفاقية السلام  المعروفة باسم اتفاقية الميرغنى/ قرنق والتى كان مأمولا ان توقع خلال اسبوع واحد من ذلكم التاريخ ( تاريخ وقوع الانقلاب).

9- صرف النظر عن الجهة التى كانت تقف خلف الانقلاب. حيث تسربت فورا انباء عن ان الكادر الذى قاد الانقلاب هو كادر الجبهة الاسامية القومية داخل الجيش. رغم مسرحية اعتقال الترابى والتى اعترف هو نفسه كما اعترف قائد الانقلاب عمر البشير بانها كانت جزء من خطة تمكين الانقلاب فى ايامه الاولى وقطعا للطريق امام قوى الثورة المضادة اذا ايقنت الجماهير ان ماحدث مجرد انقلاب الجبهة على السلطة مما يعكس عمق احساس قادة الجبهة الاسلامية بكراهية الجماهير لها.

 صرف النظر عن الجهة المتآمرة خلف ذلكم الانقلاب حيث تسربت معلومات اخرى تؤكد ان مصر تقف خلف ذلكم الانقلاب وهو امر لم يستبعده احد بالقراءة المتأملة للتاريخ الفعلى للعلاقات ( الهزلية) بين مصر والسودان. وقد تأكد جزء من ذلك الدعم حين كانت اول طائرة تهبط مطار الخرطوم بعد فتحه امام الملاحة عقب الانقلاب كانت طائرة الرئيس المصرى حسنى مبارك وما تحمله هذه الزيارة من دلالات مادية ومعنوية فى الوقوف  التاريخى لكافة السلطات التى حكمت مصر منذ ايام محمد على باشا ضد رغبات الشعب السودانى ودعم كل نشاط يؤذى هذا الشعب. وذلك زقاق طويل يمكن لنا ان نقطعه مرة اخرى. وقد تسربت اخبار عن رسالة بعث بها السفير المصرى الى خارجية بلاده  يهنئ فيها بنجاح ( العيال ) فى الاستيلاء على السلطة، ولربما كان هذا واحدا من اسباب اندلاق حسنى مبارك وتهافته بين السعودية ودول الخليج لجلب الدعم والتأييد للسلطة الانقلابية الجديدة.

صرف النظر عمن يقف  خلف هذا المسخ الاسلاموى فان القطاع الاوسع من جماهير الشعب ومنظماتها السياسية كانت تقف ومنذ اللحظة الاولى ضد الانقلاب، وهى وان لم تتحرك على الفور لدحر الانقلاب لاسباب متعددة ومتشابكة، فان هذا لايلغى احساسها بخطأية ماحدث، الامر الذى أكدته فيما بعد سلسلة الاعتقالات وحفلات التعذيب التى كان يتلذذ فيها مرضى الاسلامويين برؤية دماء المناضلين تغطى ارضيات حمامات  وغرف بيوت الاشباح. كما اكدته حملات التشريد التى تمخضت عن فصل كل الشعب السودانى من الخدمتين المدنية والعسكرية حتى لم يبق فيهما سوى كادر الجبهة وعضويتها وآلها وذويها وكافة محاسيبها ومناسيبها فى الخرطوم والسعودية واوروبا والامريكتين.

10- من الطبيعى ان يحتفظ كل حزب او تنظيم سياسى برؤيته وتحليلاته وفقا لمعلوماته عن طبيعة النظام الحاكم ومن ثم اجتراح طرق وادوات منازلته. وكان ان التقت ارادة عدة مجموعات ومنظمات سياسية ونقابية وعسكرية على ضرورة ازالة هذا المسخ السياسى المريض وتمخضت هذه الارادات فى ضرورة العمل الجماعى وفق برنامج للحد الادنى الذى يمكن ان يجمع هذه المجموعات والمنظمات. وهكذا ولد التجمع الوطنى الديموقراطى كوعاء جامع لاغلب الراغبين فى اسقاط هذا النظام وتصفية آثاره تصفية شاملة من كل مناحى العمل العام مدنى وعسكرى.وكان، وحتى زمان قريب هذا هو جوهر نضال الناس الذى بذلوا فيه كل مايملكون بما فى ذلك ارواحهم. وتحملوا فيه ماتحملوا من مشاق وعنت وقسوة تبدأ من اسباب المعيشة الاولية ولاتنتهى بالتشتت شرقا وغربا، حتى ان غالبهم فقد الولد ضياعا ثقافيا فى المنافى وفقد الجسد سخرة قسرية فى البلاد الظالم اهلها، بعد ان سدت فى وجهه – تقريبا – كل بوابات الدنيا الا تلك التى تفتح شركاتها الكبرى ابوابها لاستقبال المزيد من رقيق القرن الوحد والعشرين.

11- كل ذلك الهوان تحمله الناس فى صبر جميل وفى افق ايامهم يكمن الحلم الكبير بتحقيق ماتحالفوا لاجله.

12- صمت حزين والحركة الشعبية – الفصيل المتقدم فى رأس رمح المعارضة – تتهاوى امام ضربات حلفائها الطامعين فى نفط البلاد وجديد خيراتها وتجد نفسها بين فكى الاسد فتقبل ماسنح لها من الطعام  تلتهمه فى بط وهى تلعق جراح فقدها العظيم ، مؤسسها وقائدها. وتمضغ تمباكها المر وهى ترى الناس ينفضون من حولها ولم تعد تمثل فى عرفهم سوى حرس جديد لكهوف الانقاذيين المليئة بكل مانهبوه من خيرات البلاد. ولم يعد مدهشا ان مقاتلا مثل لام اكول يخلع فجأة عباءة المناضل ويمتشق سيف الباشبوزوق ليدافع عن الذين تشاركوا فى ارتكاب مذبحة المهندسين.

وصمت احزن والقادة الذين انعقدت حولهم الامال ذات يوم هرعوا من يأس اصابهم او من حول سياسى( سيان) الى موائد الحكام المليئة بكل مالذ وطاب، حتى خرج علينا الصديق سيلفا كير ليأمر ( جنده) فى نقابة المحامين بالتزام الحياد!!! وصاروا يتبارون فى كسب ود الحاكم العام، الذى فرض عليهم شروط رضاءه عنهم باعادة انتاج اتفاقية البقط  الجديدة فقبلوها على علاتها، وكل يسوق ماعن له من المبررات. وبعد ان كنا نحن الذين نخرج منه على امل العودة اليه يوما ما بالظفر والفوز، هاهو الوطن يخرج متسللا من أفئدتنا حبة رمل تتلوها حبة رمل.

13- وهكذا مثلما تسربت احلامنا من بين اصابعنا حلما اثر حلم ، فهاهو الوطن نفسه بدأ فى التسرب منفلتا منا!! ولم يعد فى افق احلامنا السياسية مايبشر بأية عدالة قادمة. ووفقا لقوانين اللعبة السياسية هانحن نعيد انتاج الازمة بطرق اكثر حداثة. وهاهو شعار عفا الله عما سلف يطل علينا فجر العيد وهو فى ازهى ثيابه. ثياب السلام المزعوم وجلابيب الوحدة الناصعة السواد. ونبتلع حنظلنا فى صمت مهين ونحن نرى سليمان حامد وفاطمة احمد ابراهيم – اثنان من اكبر رموز نضالنا – يجلسان فى المجلس الوطنى ( السلطة التشريعية التى قبلنا بالمشاركة فيها ) بجانب الطيب سيخة!! واياديه لاتزال ملطخة بدماء الشهيد على فضل!!

14- شاعر الشعب المجيد محجوب محمد شريف عبر لى خلال الهاتق عن حيرة الشاعر حين قال بان كل هذا جيد وحسن وممتاز، وهو خير نستطيع من خلاله اعادة الحقوق الى اهلها باعادة المفصولين الى مواقع عملهم وصرف كافة حقوقهم المادية.....الخ ولكن من سيعيد الينا عبد المنعم سلمان!!؟؟

 

 
     

فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية