في الذكرى السنوية لتأبين

القائد يوسف كوة مكي

بهولندا

 

د. منصور يوسف العجب

 
 

 

تمت دعوتنا من قبل فرع الحركة الشعبية لتحرير السودان بهولندا للمشاركة في الذكرى السنوية لتأبين القائد يوسف كوة مكي، كضيف شرف ومقدم الخطاب الرئيسي للمناسبة ، نسبة للصداقة الشخصية التي تربط بيننا وبينه وللاحترام المتبادل بين أبناء المنطقة التي أمثلها ومن عاش وسطنا من أخواننا وأخواتنا من جبال النوبة . ولقد شرفنا الفقيد بزيارة منزلنا بأكسفورد وتعرف على أفراد الأسرة عن قرب مما ترك أثرا عظيما في نفوسهم ، وإعجاباً كبيرا بخصاله القيادية والانسانية الحميدة . وفى نفس تلك الزيارة قابلنا أساتذة بجامعة أوكسفورد وبعض المنظمات للمساعدة فى بناء القدرات بجبال النوبة .

التاريخ : 10/04/2004م 

المكان : روتردام

الحضور : كان الحضور ضخماً وممثلاً لقطاعات عريضة من ألوان الطيف السياسي السوداني .

كانت مساهمتنا في شكل محاضرة عن الدور القيادي للفقيد والظروف التاريخية المتعلقة بنشوء المنازعات والمليشيات القبلية في المنطقة .

إبتدأت المحاضرة بالتركيز على الخصائص القيادية للفقيد القائد يوسف كوة مكي والتي تتمثل في الآتي :

-         الإقدام ، والشجاعة العالية التي يتمتع بها الفقيد .

-         الرأي  الثاقب (a man of vision) .

-         المعرفة الضرورية بالقضايا التي تهم الجماهير.

-   الإلتزام بأسس الديمقراطية من خلال المشاركة القاعدية في إتخاذ القرارات من خلال تطوير منظمات المجتمع المدني في منطقة جبال النوبة.

-          إعتماد أسلوب السماع للقواعد .

-         الفهم المتقدم لمفهوم القيادة التي تصب في خدمة الجماهير بدلاً عن خدمة الجماهير للقيادة .

-         الاستعداد للتضحية في قيادة الجماهير .

-         العدالة في ممارسة الحكم و العقاب الصارم  والعادل لمنتهكي الاعراف وحقوق الانسان .

-         الفهم المتقدم لضرورة التحالفات من دون فقدان الاستقلالية في القرار والذي يتصدى لقضايا المنطقة .

-   الالتزام الجاد بقضايا السودان الجديد وضرورة تبني السياسات الجذرية في معالجة التشوهات الهيكلية بين المركز والأطراف ، حفاظاًَ على وحدة السودان .

-         إنتهاج أسلوب المعلم في رفع وعي الجماهير وبخلق شبكة من النشطاء لذلك.

-   مواجهته للمرض وتقديم قضايا الوطن والنضال على صحته ، حيث تحمل مسؤوليته كاملة حتى آخر لحظة في حياته .

-   دوره القيادي والتاريخي العظيم في تحرير أهلنا  النوبة من القيود التي فرضتها عليهم نخب المركز ، مما أهله بدعم قيادته الجماهيرية لتبوأ المنصب القيادي في الحركة الشعبية .

-   وأخيراً وليس آخراً الخلق الرفيع والتواضع والطهر والروح الانسانية والتعاطف المطلق مع البسطاء مما أكسبه صفة القائد المحبوب لهم .

المواضيع الأخرى التي عالجتها المحاضرة :

    إن الحديث عن القائد يوسف كوة مكي يتتطلب تحليل الأوضاع التي دفعته لأن يقف الموقف الوطني المشهود له من القضايا الوطنية والمحلية .

في المقام الأول ، يجب أن ندرك إن خيار النضال المسلح الذي تبناه القائد الأخ يوسف لم يأتي من فراغ . كانت هنالك ظلامات متراكمة دفعته لهذا الخيار ، والذي يتطلب قدراً عالياً من القناعة الفكرية بالهدف مع التبرير الايدلوجي للنضال المسلح كدافع للمقاتل ليقاتل مضحياً من أجل قضيته برفعه للسلاح .

الأسباب المباشرة لذلك النوع من النضال نجدها تتمثل في العلاقة غير المتكافئة بين المركز والأطراف والاستغلال المرتبط بها.

تحملت الحركة الشعبية لتحرير السودان مسؤولية الممثل للأطراف بما فيها الجنوب والشرق والغرب وجبال النوبة . ورأت في اللجوء للنضال المسلح ، السبيل للتحرير المبني على أساس جماهيري وإشتراكي ايدلوجي .

إن النضال ضد القمع والهيمنة يمثل الخط الايدولوجي الاساسي للحركة الشعبية كما يوضح برنامجها أو ما يسمى بالمانفستو .

"إن المهمة الاساسية للحركة الشعبية هي تصحيح الحركة الجنوبية من حركة رجعية تقودها عناصر رجعية همها الجنوب والمناصب والمصالح الذاتية ، لحركة تقدمية يقودها ثوريون ملتزمون بالتغيير الاشتراكي لكل الوطن . لأبد من التأكيد على أن الهدف الاساسي للحركة الشعبية ليس إنفصال الجنوب .  الجنوب هو جزء لا يتجزأ ولا ينفصل عن السودان . أفريقيا جزءت بما فيه الكفاية وبواسطة المستعمر والاستعمار الحديث . وإن أي تمزيق أكثر لابد أن يصب في صالح الأعداء " ، راجع مانفستو الحركة الشعبية المادة 21/7 .

إن الحرب الحالية في نظر الحركة الشعبية تهدف لتحرير كل السودان من الاعداء المتمثلين في الشريحة الطفيلية  السودانية ونخب البيروقراطية في الشمال والجنوب ، والأصولية الدينية والقيادات الرجعية لأنانيا 2 . إن التحرير بهذا الفهم المتقدم إتخذ معنى واسعاً يهدف لإنهاء الإستعباد  التي تعاني منه جماهير المسحوقين العريضة من قبل الارستقراطية المحلية والمتعاونة مع المصالح الاجنبية .

هذه الاهداف أعطت الحركة الشعبية بعداً قومياً مقارنة مع أنانيا 1 التي حاربت لفصل الجنوب بين الأعوام 1955-1972 .

ندرك بأنه من غير الصحيح أن نعتبر أن إتساع الحرب بجنوب كردفان مرتبطاً بأيدولوجية الحركة الشعبية . ولكن من المهم أن نتذكر أن برنامجها السياسي وجد قبولاً وسط جماعات الدينكا والنوبة بجنوب كردفان .

إن الصراع الأثني بهذه المنطقة كما نعلم له تاريخ طويل ، ولكنه أيضاً وجد متنفساً له ومجالاً للتعبير عنه في الحرب الجارية الآن .

عموماً ، الحرب بجنوب كردفان كانت حرب مليشيات قبلية بدلاً عن حرب عسكر حتى عام 1992 ، حيث وسع الجيش السوداني عملياته في تلك السنة لتشمل جبال النوبة.

هنالك مسألة أخرى في غاية الأهمية . إن الاصرار على الاسلام الأصولي من قبل النظام الحالي ، قاد الحركة الشعبية لإعتبار فصل الدين عن السياسة جزءا من عملية التحرير . ولكن التكوين الديني والاثني المعقد للسودان لم يمنح أملاً في ذلك الإتجاه . مما قاد بقوة لأيدولوجية وأستراتيجية مضادة ترتكز على ضرورة خلق سودان بمفهوم جديد (new Sudan). هذا المفهوم وجد قبولاً واسعاً وسط جماهير الاطراف.

مفهوم السودان الجديد يرمز إلى ضرورة خلق نظام ثقافي وسياسي واقتصادي جديد يرتكز على المواطنة في الحقوق والواجبات . يتطلب ذلك ، إعادة هيكلة جذرية لسلطة الدولة لبناء الديمقراطية الحقيقية وإتباع نمط للتنمية يقود إلى تحولات إجتماعية واسعة .

حقيقة أن الحركة الشعبية تقاتل من أجل هدم النظام القديم الذي يتسم بآلية غير عادلة لتوزيع السلطة الاقتصادية والسياسية في السودان .

إن الإنقسام الذي شهدته الحركة الشعبية في أغسطس عام 1991م ، مرده عدم فهم هذا الهدف الوطني العظيم والمنافع الشخصية من قبل بعض النخب .

أما بالنسبة لشعوب جنوب السودان ، وجنوب كردفان ، والاجزاء الجنوبية لجنوب النيل الازرق ، كانت النظرة للحرب نضالاً ضد السيطرة والهيمنة الشمالية ، وفي نفس الوقت حرباً ضد الاعداء من الاثنيات المجاورة مباشرة.

إن الحركة الشعبية عملت على تجاوز الفهم الاثني الضيق للحرب برفع الوعي الجماهيري بالقضايا الاساسية.

لكن للأسف ، أصرت الدولة السودانية على ضرب حركات المقاومة في الجنوب وجنوب كردفان وجنوب النيل الازرق ومناطق البجا في شرق السودان وأخيراً دارفور  لإخضاع جماهير هذه المناطق وتحقيق الوحدة بالقوة . مرد ذلك ، عدم ثقتها في هذه الجماهير بإعتبارها ذات أهداف خفية ولا يجب أن تخضع الدولة للضغوط القاعدية.

وفي نفس الوقت ، قاد ضعف الدولة في حماية المواطنين لإعتماد بعض الجماعات الاثنية على نفسها فى الدفاع عن ذاتها .

عقد من هذا الوضع ، الاتجاه العقائدي الاسلامي الذي بدأ في عهد النميري . وجدت جماعة الاسلام الاصولي السياسي في ذلك النظام ، الفرصة في تطبيق الشريعة ودولتها الاسلامية من خلال الهيمنة الاقتصادية والسياسية وتركيزها على المصارف في تحقيق أهدافها لفرض هيمنة المركز على الاطراف وتهميشها . زيادة على ذلك قادت العواطف الاسلامية القوية والمعادية للاشتراكية ، لرفض البرنامج السياسي للحركة الشعبية وسط بعض القطاعات في الشمال والجنوب وجبال النوبة . لكن الشئ المؤسف عمل العقائديون الاسلاميون على تصعيد الحرب بإعتبارها جهادا مقدسا ضد أعداء الاسلام وبرروا بذلك المذابح الشرسة التي تمت ضد المواطنين المدنيين العزل . بعد هذا الطرح ، نود أن نعرج وكمقدمة للمليشيات القبلية في جنوب كردفان .

من المهم أن ندرك أن وجود المليشيات القبلية يسبق عهد الاستعمار . لكننا بدلاً عن السيرة التاريخية ، سنركز على الصراعات الاثنية الحديثة والعوامل التي قادت لظهورها في الحرب الحالية وأثرها على الوحدة الوطنية التي أصبحت للاسف  الشديد منالاً أكثر بعداً .

أهمية جنوب كردفان تتمثل في كونها ملاصقة لمديريتين جنوبيتين وتتسم بتنازع الولاء بين الشمال والجنوب ، كما أنها غنية بالأراضي الزراعية والرعوية وموارد أخرى . أدى نمط التنمية غير المتوازنة إلى الصراع حول الموارد كما عمل على تهميش هذه المناطق من ناحية غياب التوزيع العادل لهذه الموارد وحقوق الملكية المتكافئة والتمثيل المتكافئ في الهياكل السياسية في البلاد . تؤكد دراستي الدكتوراة للدكاترة خالد عفان وإبراهيم الكرسني ، إن أكثر من 97% من عائدات مشاريع الزراعية الآلية في المنطقة لا يعاد استثماره في المنطقة بل يجد طريقه إلى بناء المنازل والقصور والنشاطات التجارية خارج هذه المنطقة شمالاً في المراكز الحضرية . كما أن الزراعة الآلية العشوائية أضرت بالاقتصاد المعيشي لقطاعات واسعة في هذه المنطقة وحصرت صغار المزارعين والرعاة في مناطق زراعية هامشية ضيقة ذات خصوبة متدنية مما قاد إلى الرعي المكثف وتدمير الاساس المادي للحياة في هذه المنطقة ، مما حول صغار  المزارعين لبيع قوة عملهم في هذه المشاريع تحت ظروف قاسية وقاد إلى صراعات بين الرعاة والمزارعين .

جنوب كردفان نجدها في الجزء الشمالي من الجنوب وتجاور إقليمي أعالي النيل وبحر الغزال . تعداد السكان بها حوالي 1.2 مليون نسمة وينتمون إلى أربعة مجموعات أثنية أساسية هم النوبة والبقارة والجلابة والنيليون النجك الدينكا .  تقتضي الأمانة أن نذكر أن أبيي هي في الاساس منطقة نجك دينكا ولكن لإعتبارات إدارية ضمت إلى شمال السودان . 

النوبة يعتبرون أنفسهم السكان الأصليون في جبال النوبة التي تسيطر على الاجزاء الوسطى والجنوبية للمديرية كما كانت معروفة سابقاً .

النجك دينكا يقطنون الاجزاء الجنوبية للمديرية وبالقرب من أهلهم الدينكا في أعالي النيل وبحر الغزال .

تجمعات البقارة المكونة من قبائل المسيرية والحمر والحوازمة نجدهم نزحوا إلى المديرية على دفعتين في القرن السابع عشر وبعد إنهيار دولة المهدية في عام 1898م .

الجلابة وهم ينتمون إلى وسط وشمال السودان ، جاءوا لأول مرة إلى جبال النوبة كتجار عبيد في القرن الثامن عشر ، ولكنهم إستقروا في العشرينات من القرن السابق (1920م) ، وفي فترة الانتعاش المرتبط بإنتاج القطن في أواخر الاربعينات . ومنذ ذلك الوقت هيمن الجلابة على التجارة والاعمال في جنوب كردفان .

إن التوزيع السكاني لا يعني أي شكل من التمييز العرقي (Ethnic Segregation ) ، على الرغم من وجود بعض الجيوب (Enclaves) لبعض المجموعات الاثنية .

تكشف بعض المصادر منذ العشرينات ، إن الاتصال بين هذه المجموعات الاثنية ليس سمة عامة ماعدا في حالات التجارة أو سلب الابقار والعبيد .

إن القوانين التي حرمت تجارة الرقيق في جنوب كردفان سنت لأول مرة في عام 1927م عندما أعلن إن كل شعب جبال النوبة مواطنين أحرار . شهدت الفترة منذ عام 1922 وإلى الاستقلال عام 1956م قدراً عالياً من الاستقرار ، واختلطت المجموعات الاثنية المختلفة بحرية نسبة لتبني نظام الادارة الاهلية (سلطات الشيوخ الرحل  عام 1922م (powers of nomadic sheikhs) وتعديله عام 1927م) .

كما أدخلت زراعة القطن كمحصول نقدي ، وقامت الاسواق ، وأدخلت خدمات التعليم والصحة والخدمات البيطرية . الطرق استمرت موسمية ، تستعمل فقط في موسم الجفاف مما سمح بقدر من الحركة إلى مسافات طويلة والهجرة إلى المدن والمراكز الحضرية .

إشتعال الحرب الاهلية الأولى في الاعوام 1955-1972م ، أثر على جنوب كردفان على مستويين :

أولاً ، هرب العديد من الجلابة من الجنوب بعد مذبحة توريت وأسسوا أنفسهم في جبال النوبة .

ثانياً ، الدينكا في الاجزاء الجنوبية ، تضامنوا مع الجنوب وطالبوا بالانفصال من مديرية كردفان والانضمام إلى مديرية بحر الغزال .

وجد مطلب الدينكا النجوك بالإنضمام إلى الجنوب دفعاً بعد فشل مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965م ، واستمرار إنفجار العنف بين الحمر البقارة والنجوك الدينكا في بابنوسة والرقبة الزرقاء . للاسف ، تم حرق الدينكا رجالاً ونساءا وأطفالا حتى الموت بواسطة فرسان البقارة الحمر وذلك عند لجوء الدينكا طلباً للحماية بنقطة بوليس بابنوسة عام 1965م . لقد استمر هذا النزاع ، ولكن لا يمكن تسميته بإبادة منظمة (organised campaign of genocide ). كما لم يدعم بواسطة الحكومة آنذاك . إن النزاع بين شباب الحمر والنجك دينكا حول المرعى والمياه ، كان سمة متكررة لعلاقة النجوك دينكا والحمر .

عندما جاءت اتفاقية أديس أبابا عام 1972م ، نجح النجك في تمرير فقرة تمنحهم الحق في الانفصال من الشمال (جنوب كردفان ) والإنضمام إلى الاقليم الجنوبي الجديد . لكن المزاج السياسي الجديد الذي تبع الاتفاقية ، أجل المطالبة بالانفصال على الرغم من الصراعات التقليدية بينهم وبين جيرانهم من الحمر .

ولكن أيضا ، وعلى الرغم من قبول النجك بالبقاء في  المناخ السياسي المعادي ، إلا أنهم بدأوا يرفضون البطء في تنمية منطقتهم ، كما أنهم بدأوا يتشككون في النوايا نسبة للعقود الطويلة المشحونة بالإضطهاد والعداء بين الجنوب والشمال .

هذا الوضع بدأ يتغير نسبة للتفاؤل المرتبط بإكتشاف البترول وتوفير بعض الوظائف لمواجهة تخلف المنطقة .

تم عقد العديد من المؤتمرات القبلية لمعالجة النزاعات بين الدينكا والحمر . هذا الوضع استمر إلى أن بدأت الحرب  الاهلية الحالية عام 1983م .

كانت جبال النوبة هادئة في الحرب الاهلية الاولى عام 1955م-1972م . خاف النوبة من تبديل الهيمنة  الشمالية بهيمنة جنوبية ، ولكن  نسبة لأن الشمال أكثر تطورا  ولديه أمكانية أوسع لتوفير بعض الشئ لقطاعات النوبة المتعلمة ، فضلت هذه القطاعات عدم الإنتماء إلى الجنوب . ولكن كان هنالك دعما سياسيا سريا من النوبة لحركة الانانيا 1 ، خاصة وسط المسيحيين من النوبة كالهيبان ، والكاتشا ، والمورو بالجبال الجنوبة. ولكن عموما استمتع النوبة والبقارة بسلام وعلاقة حسن جوار نسبية من دون نزاعات اثنية خطيرة .

مسألة هامة ، إن نشأة الاتحاد العام لجبال النوبة عام 1965م ، كان تجاوبا مباشرا للنضال الجنوبي من أجل الحكم الذاتي والحقوق المتساوية للمواطنين .  قاد الاتحاد متعلمو النوبة الذين استعملوا اساليب سياسية لتحقيق أهداف سياسية . حققوا نجاحا عام 1966م ، وذلك بإلغاء ضريبة الدقنية (Poll Tax) ، التي كانت تذكرهم بهيمنة الشماليين الذين سيروا الهياكل الإدارية وسيطروا على التجارة المحلية والاقليمية . إكتسب الاتحاد اعترافا كجماعة ضغط تمثل النوبة وتناضل للحصول على الموارد المالية وانشاء المشاريع التنموية في الاقليم .

الزواج بين النوبة والبقارة خاصة الحوازمة ، كان شيئا عاديا مما قاد إلى إعتبار الاقليم قدحا (Melting Pot) تذوب فيه الجماعات الاثنية المختلفة التي تقطنه .

التعايش السلمي بين النوبة والمجموعات الاثنية الاخرى المهاجرة استمر وقوت منه اتفاقية أديس أبابا عام 1972م التي وفرت قدرا عاليا من الأمان للحياة والملكية في الحدود بين النوبة والجنوب .

لكن قانون الحكم الاقليمي في عام 1980م ، كانت له نتائج عكسية لأنه لجأء للتوازنات التقليدية للسلطة على المستوى الاقليمي بين النخب القبلية المتنافسة بدلا عن التركيز على الجماهير . ولذلك لم يمر وقت طويل حتى اتضح إن بعض النوبة بدأوا ينادون سرا لأقليم منفصل يتمثل في مديرية جبال النوبة التي كانت قائمة في  الاعوام 1918 إلى 1927م ، لكي يتجنبوا سيطرة الجلابة وشماليين آخرين في شمال كردفان . ولكن نجد في نفس الوقت، أن هنالك شعورا قويا بأهمية العلاقة  بين النوبة والحوازمة والبقارة المسيرية .

وصل التوتر قمته في عام 1983م ، لإحساس بعض السياسيين النوبة بعدم الرضا بالنصيب الممنوح لهم في السلطة على أساس قانون الحكم الاقليمي ، والذي اعتبروه غير مجزي . عم الغضب النوبة أعضاء لجنة الاتحاد الاشتراكي لاقليم كردفان بما  فيهم رئيس المجلس الاقليمي المرحوم القائد يوسف كوة مكي ، والذي التحق بعد ذلك بالحركة الشعبية لتحرير السودان وأصبح عضوا في القيادة العليا لها والقائد العام لعملياتها العسكرية في جنوب كردفان . ومنذ ذلك الوقت أصبحت جبال النوبة جزءا من منطقة الحرب .

تطور المليشيات القبلية  والاستقطاب الاجتماعي :

الحرب الاهلية بعد عام 1983م ، جعلت المواطنين مرتبكين في من يدان في إشتعال العمليات بالمنطقة . بمعنى آخر هل مردها الحركة الشعبية أم القبائل العربية ؟ .

الاتحاد العام لجبال النوبة والرابطة السياسية لجنوب السودان (Southern Sudan Political Association) ، هم أول من طلب بنزع السلاح من المليشيات في الفترة الانتقالية عام 1985-1986م بعد سقوط نظام النميري بواسطة الانتفاضة الشعبية . كما كانت هنالك وفودا من دينكا جنوب كردفان تطالب الحكومة بالتدخل لحماية الارواح والممتلكات من مليشيات البقارة التي تدمر القرى والمحصول وتحرق الاراضي الرعوية وتسبي الابقار. وعلى الرغم من ذلك ، اتهمت قيادات النوبة والدينكا ، الحكومة بتسليح مليشيات البقارة ضدهم . إن النوبة والدينكا تكونت لديهم قناعة بأن الحكومة منحازة إلى البقارة الذين يمثلون الاغلبية في الجيش بكردفان ودارفور والذين غالبا ما يمتنعون عن حماية الدينكا من هجمات الذين ينتمون إلى مجموعاتهم القبلية ( نذكر بمذبحة الضعين كمثال بعدم تدخل الجيش الحكومي لحماية الدينكا من المجازر التي تمت ضدهم) .

في عام 1988م ، قامت قوات الحركة الشعبية بالهجوم  على المدن التي بها ثكنات في جبال النوبة ، كليري وتلودي وأسواق كبيرة ومراكز إدارية كأم دورين والازرق . نزح العديد من المواطنين ، وارتفع تعداد كادوقلي ، عاصمة جنوب كردفان إلى ثلاثة أضعاف في الفترة ما بين 1983-1986م .

ومنذ عام 1988م ، كانت هنالك هجمات متكررة بواسطة النوبة ، خاصة بهيبان وبرام ضد مزارع ودكاكين الجلابة ، وذلك تعبيرا عن رفضهم للاستغلال البشع الذي يمارس ضدهم . عليه ، أصبح البقارة ينزحون في شكل جماعات صغيرة وليس أفرادا خوفا من مقاتلي النوبة والحركة الشعبية .  

أم دورين ، عاصمة المورو ، والتي تبعد أربعين كيلو مترا من كادوقلي ، فتحت الحركة الشعبية عليها مدفعية قوية في الفترة من 22 إلى 26 من يناير 1990م . كما هاجمت الحركة الشعبية وقتلت قوات الجيش الحكومي في الطريق ما بين كادوقلي وأم دورين .

في ذلك الوقت وصلت الحرب على بعد كيلو مترات قليلة من كادوقلي ، حيث كانت تسمع أصوات المدفعية في المدينة .

للأسف ، عملت النخب السياسية في كل هذه الفترة بما فيها الفترة الانتقالية والحكومة الديمقراطية على الإنشغال بتوزيع الغنائم بعد سقوط  النميري ، بدلا عن الاهتمام بالقضايا الامنية والاوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الاطراف . وللاسف ايضا ، عمدوا جميعا للمحافظة على الاوضاع الراهنة (status quo ) ، التي قادت إلى الحرب في المقام الأول .

وعلى الرغم من مناقشة الاوضاع بين الحركة الشعبية والحكومة الانتقالية ، لم يفت على الحركة الشعبية ، أن السياسيين السودانيين لم يكن لديهم الاستعداد لاستبدال سيطرتهم على السلطة لصالح المصالحة الوطنية ، أو إنقاذ المواطن العادي من دمار الحرب والمجاعة . (في هذا الخصوص لابد من محاسبة المسؤولين عن المجاعات التي هي من صنع البشر) . هذا الوضع المأساوي اصبح أكثر تعقيدا عندما أصدرت الحكومة الانتقالية قرارات تهدف بتسليح المليشيات الشمالية جنبا إلى جنب مع الجيش السوداني لقتال القبائل من الأصل أفريقي .

هذه المعلومة واجه بها الدكتور جون قرنق المجتمعين في كوكادام في مارس 1986م أي في فترة الحكومة الانتقالية . أدى ذلك لاتهام الجماعة التي سربت هذه المعلومة بإعتبارها طابورا خامسا ، وعليه كانت المطالبة بعزل أي شخص يدعم الحركة الشعبية . بهذا الفهم ، أصبحت أي إدانة عامة للمليشيات شئ مرادف لمفهوم الطابور الخامس ، خاصة في المناطق التي شهدت صراعات قبلية أو اقتتال قبلي بين الاثنيات العربية والافريقية.

ومنذ تلك اللحظة ، إتضح التعاون المنظم بين الجيش والمليشيات العربية . وأصبح الجيش بكادوقلي منذ 1987م أي في فترة الديمقراطية الثالثة ، يشتمل على 50% منه على المليشيات العربية المتطوعة . للأسف الشديد ، عملت حكومة السودان آنذاك على قتل الآلاف من مواطنيها العزل بالمنطقة وبنفس القدر بجنوب السودان . وبعام 1988م شهدت المدن الرئيسية في المناطق الحدودية بين جنوب كردفان والاقليم الجنوبي لبحر الغزال وأعالي النيل ، تدفقا سكانيا ضاعف من سكانها إلى ثلاثة أضعاف نسبة لنزوح الاعداد الكبيرة  من الجنوب إلى هذه  المدن . وللأسف ، نجد الذين نجوا من نيران الجيش السوداني ، قد داهمتهم المجاعة نسبة لتدمير الاساس المادي للانتاج الزراعي وللنزوح القسري للجماعات الزراعية من هذه المناطق .

المليشيات القبلية اصبحت مسألة مكشوفة ، عندما اقترح السيد / الصادق المهدي ، رئيس وزراء الفترة الديمقراطية ،  للجمعية التأسيسية في فبراير عام 1989م ضرورة تقنين المليشيات بوضعها تحت قيادة القوات المسلحة. وبعد ذلك اقترح تسميتها قوات الدفاع الشعبي . الدوافع لذلك معروفة وهي تأسيس مليشيات قوية في مناطق نفوذ حزب الامة (كردفان ودارفور) كضمان ضد الانقلابات العسكرية ، خاصة بعد مذكرة الجيش التي فرضت على رئيس الوزراء قبول إتفاقية السلام التي وقعت في 16 نوفمبر 1988م بين الحركة الشعبية والحزب الاتحادي الديمقراطي.

في نوفمبر 1989 ، وضعت الحكومة الحالية قانون الدفاع الشعبي كقوة متعاونة وداعمة للجيش ومساعدة له في مناطق العمليات العسكرية ، خاصة المنطقة التي تقع بين الجنوب والشمال. وبإجازة قانون الدفاع الشعبي في 6 نوفمبر 1989م ، وتعيين العميد بابكر عبد المحمود في 19 نوفمبر 1989م  لقيادة الدفاع الشعبي ، إتضح أن الدولة قننت الحرب بالتكليف (by proxy ) ، حيث يعمل المدنيون المكلفون  نيابة عنها في هذه الحرب.

وبإختصار أقحم شعب جنوب كردفان في الحرب،  في الوقت الذي كانوا يتجهون نحو التكامل الاثني ، وبالتالي تجددت الولاءات على أساس العداوات التاريخية . ونتج عن ذلك إستقطاب حاد في المجتمع على أساس المليشيات القبلية المقننة التي تتعارض أهدافها مع مبدأ الدولة السودانية الموحدة ، وتقترب الصورة أكثر من وضع يتسم بحرب الجميع  ضد الجميع (war of all against all ).

كان من المفترض أن تكون المهمة الأساسية للحكومة نزع الاسلحة من المليشيات وتفويض السلطة بدلا عنها  لمؤسسات الدولة في هذه المناطق كالشرطة والجيش المناط بهم حفظ النظام والسلام .

إن غياب إحترام الحريات السياسية والمدنية وغياب سيادة القانون وإحتكار السلطة والمواقع الاقتصادية ، كما نشاهدها الآن ،  كلها عوامل داعمة للنزاعات . إن الحل في نظرنا يكمن في تطبيق الديمقراطية الحقيقية ، وتلبية الاحتياجات الاساسية للجماهير مع تنمية قدراتها لكي تتصدى لجذور المشاكل التي تواجهها .

نود أن نلفت النظر إلى خطورة النزاعات الاثنية ، خاصة التي يؤججها المركز وذلك لفرض هيمنته مستقلا في ذلك بعض التناقضات التي تتسم بها مناطق الاطراف .

وأخيراً ، إن تحقيق السلام مهما إتسم من نقاط ضعف إلا أنه يعتبر بداية لعملية تساهم إلى حد كبير في الخروج  من الأزمات لضمان وحدة السودان . كما إن الحركة الشعبية لتحرير السودان مهما مورست عليها من ضغوط  من قبل المركز ، إلا أنها لن  تتحول إلى حليف استراتيجي للقوى التي تهيمن على المركز حالياً . 

الشكر للحركة الشعبية قاعدة وقيادة لدعوتهم الكريمة لنا لتقديم الخطاب الرئيسي في هذه المناسبة .

 
     

فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية