هالة عبد اللطيف كمرات

وقفة عند تداعيات الحوار الصحفي

مع الأستاذة فاطمة احمد ابراهيم

 
 

 

نتابع هذه الأيام مايدور في الصحف السودانية وشبكات الإنترنت من سجال وتداعيات حول الحوار الصحفي الذي أجرته إحدى الصحف السودانية مع الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم. ولا شك أن الحوار وتداعياته يثيران عددا من الملاحظات والمحطات التي يستوجب الوقوف عندها.

أولى هذه القضايا تتعلق بالمنهج الذي تم به تناول الموضوع، حيث من الواضح أن هنالك اتجاه قوي ظل موجودا منذ فترة بدايات تشكل الحركة النسائية السودانية تنظيميا، اتجاه يصب في خانة شخصنة الصراعات الفكرية وحصرها في صفات ومواصفات الرمز وليس المحتوي الإجتماعي والنظري لأفكاره وإطروحاته حول القضية مثار الصراع. بل أن هذا المنهج يسعى بكل قوى لتكبيل حركة الحاضر النسوي في إطار صراعاته القديمة ذات العائد البائس في مجال قضايا المرأة السودانية، والتي لم تفرز انتاجا يقتحم هذه القضايا بكل خصوصياتها السودانية، ويؤطر لها فكرا وحراكا يمتلك القدرة والمقدرة على استيعاب التطورات والمستجدات العاصفة في واقع المرأة السودانية اليوم المتميز بالتنوع والتعدد المثير، سواء بالنسبة لمستويات التطور المرتبطة بالتباين والتنوع الثري على صعيد مناطق السودان المختلفة، أو بالنسبة لارتباط قضية المرأة السودانية بتطور الأحداث السياسية والإجتماعية في البلد، أو ارتباطها بما يجري على صعيد الحركة النسائية العالمية. ومن المؤسف أن هذا المنهج ظل دائما حبيس مصيدة الحديث عن السلوك والإخلاق وكأن هذه هي ضربة البداية بالنسبة لقضية المرأة السودانية، أو كأن مسألة السلوك والأخلاق  يمكن التعامل معها بإطلاق ومرجعية تفرضها هذه أو تلك من قيادات الحركة النسائية. كما ظل يتم التعامل مع هذه القضية، قضية الأخلاق والسلوك، وكأنها مرتبطة فقط مع المرأة وحدها ولا دخل للرجل في ذلك، في حين نحن نعلم أنها مرتبطة  بكل المجتمع: نساءا ورجالا وما يفرزه واقعه الإقتصادي والإجتماعي والثقافي من قيم وسلوك وأخلاق. أيضا يتسم هذا المنهج بالإنغلاق والأنكماش الذاتي الذي ينظر من عل إلى التوجهات الحديثة في الدراسات النسائية حول المرأة المرتبطة بمفهوم "الجندر"، في حين أن هذه النظرة تأتي من موقع متخلف يبحث عن الغد في الماضي فلايجد سوى قيودا يكبل بها المستقبل، ولايجد سوى سياطا يجلد بها الحاضر!!

أعتقد أن حصر القضية في "لبس البنطلون أم لبس التوب" أو "التدخين" أو "تسريحة الشعر المتشبه بالرجل" أو التعامل مع هذه بإعتبارها قضية أصلا، هو ضرب من ضروب التوهان وفقدان الاتجاه، ودعم لهيمنة العقلية الذكورية التي أرى أنها سائدة حتى وسط التنظيمات النسائية. ليس هذا هو الخطاب المطلوب للتعامل مع القضايا المعاصرة للمرأة السودانية، والتي بحكم المستجدات في كل الجوانب تقريبا، أصبحت ترى في نتاج الاتحاد النسائي، وكذلك الحزب الشيوعي، وغيرهما من التنظيمات التي تضع نفسها في موقع المناصر لقضية المرأة، أصبحت ترى في نتاج هذه التنظيمات وخطابها سكونا وجمودا في نقطة ما في الماضي كانت فعلا موقفا ثوريا وتقدميا آنذاك، لكنه اليوم لا يشبع التطلعات المتفجرة للمرأة السودانية. صحيح لا ينكر دور الإتحاد النسائي أو الحزب الشيوعي بالنسبة لقضية المرأة إلا مكابر جحود، لكن لايكفي أن نظل مسمرين في محطة الماضي والتاريخ، فقطار التطور تخطى هذه المحطة وهو في حركة دائمة إلى الأمام، وشيئ مؤسف أن يسير القطار بدون سائق ماهر!!

عندما إطلعت في شبكة الإنترنت على حوارات الأستاذة فاطمة وما أفرزته من تداعيات لاحقة، طاف بذهني شريط من الصور والنماذج والتجارب استوقفتني ثلاثة منها:

الأولى: في العام 2000 نظم مركز الدراسات السودانية في القاهرة ورشة عمل بعنوان " المرأة السودانية والإبداع" ساهم فيها مجموعة من النساء القادمات من السودان، وقدمن بالفعل إبداعا حقيقيا عكس نضالات المرأة السودانية ليس تجاه قضيتها وحدها، وإنما تجاه القضية السودانية بمختلف وجوهها. كان نشاطا حيويا متدفقا شبابا وحماسا، وفي نفس الوقت متخطيا لأي أطر أو كيانات لاترى في المرأة السودانية سوى لغة النواهي: لاتلبسي مثل الرجال..لا تشربي السيجار...لا...لا....إلخ. وفي لقاء خاص مع مجموعة من تلك الشابات وجدتهن يتحدثن بلغة واحدة تقريبا عن مسألتين هما: الإحترام والإجلال للإتحاد النسائي السوداني ولقيادته التي كانت بحق منارة في الطرقات المظلمة التي كان لابد للمرأة السودانية أن تسير فيها بحثا عن الغد، لكنهن كن أيضا يتحدثن عن تقوقع خطاب الاتحاد النسائي وابتعاده عن جيل اليوم والغد!!! المسألة الثانية كانت حديثهن عن ظاهرة مقاومة المرأة السودانية لمشروع نظام الجبهة الإسلامية "الحضاري" ونجاحهن في هزيمته، لكن هذا النجاح عند أفسام من النساء السودانيات كان عبر ما أسمينه ظاهرة "التمرد الشخصي" والتي تكمن فيها كل مكامن الإنزلاق نحو هاوية السلوك غي السوي والقيم المرفوضة من المجتمع، وأن هذا التمرد الشخصي لابد أن يتحول إلى قضية عامة، والقضية تحتاج إلى تيار قوي وحركة منظمة مثلما فعل الإتحاد النسائي في الخمسينات والستينات والسبعينات، لكنه اليوم للأسف دون طموحات هذه الشرائح الواسعة من النساء ومعظمهن في عمر الشباب.

الثانية: المرأة في مناطق الحرب وفي الريف المهمش عموما، والتي لاتجد "هدما" تلبسه ناهيك عن لبس "البنطلون"، ولا تجد ما يسد رمق فلذات أكبادها، وفوق ذلك تتعرض لأقسى أنواع الإنتهاكات من إغتصاب وضرب ونوم في العراء....ثم القتل! ما هو جدوى الخطاب وجدوى الفعل إذا لم يكن موجها إلى هذه الشرائح من النساء والتي تشكل غالبية واضحة؟ هل التدخين أو "سف السعوط" أو صنع "المريسة أو الدكاي" والتي يتغذى عليها جميع أفراد الأسرة، يشكل في مجتمعات هولاء النسوة إنحرافا عن القيم والأخلاق؟

الثالثة: مقتطفات هامة وردت في تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني بتاريخ أغسطس 2001 جاء فيها: ( شهدت كيانات المجتمع التقليدي في الريف، والفئات الاجتماعية في المدن، تحولا ومتغيرات عميقة وواسعة في صفوف المرأة، وأصبحت قضاياها ومشاكلها مادة يومية في الصحف وفي النشاط الاجتماعي والثقافي عشرات التنظيمات النسائية، ورش عمل، مراكز بحوث، حلقات دراسية، ندوات ومحاضرات، وثائق مؤتمر بكين واتفاقية سيداو ووجهات النظر والمواقف المختلفة حوله، جمعيات محاربة العادات الضارة، ضغوط العاملات والموظفات على القيادات النقابية حول مطالبهن، دراسات متخصصة في الدستور والقانون وحقوق المرأة، دراسات فقهية متخصصة في قانون الأحوال الشخصية تسهم بها شابات يتمتعن بقدر عال من المعرفة المتخصصة تدحض حجج المعادين لحقوق المرأة. صحيح ان هذا النشاط مازال محصوراً في النخبة النسائية على تعدد منطلقاتها السياسية والفكرية، ومازال بعيداً عن القاعدة العريضة للنساء وجذور المشاكل، لكنه مع ذلك تعـبير عن تزايد وزن المرأة وفاعليتها في المجتمع، ولو بطريق غير مباشر، وهو نشاط جدير بالتقدير...). أيضا أورد التقرير نموذجين أحدهما للنشاط في قاعدة المجتمع والآخر للنشاط وسط الصفوة العليا من النساء، حيث ذكر بالنسبة للنموذج الأول ( جمعية خيرية لخدمة النازحات عن مناطق جنوب وغرب كردفان،  والمتغيرات التي يتعرضن لها، حيث تتمثل السلبيات في ان النازحات فقدن حرية الحركة التي كن يتمتعن بها في بيئتهن الأصلية حيث كن قوة منتجة في قطعة الأرض الخاصة بهن وبأسرهن، ثم اضطررن هنا للعمل في أعمال هامشية كثيرة الجهد قليلة العائد، واصطدمن بواقع جديد اكتسبن فيه تجارب جديدة، وتخطين حاجز الانتقال من منطقة لأخرى، واصبحن أكثر قدرة على مواجهة الحياة واكثر ثقة بالنفس وأكثر وعياً بحقوقهن كنساء.) وبالنسبة للنموذج الثاني، أورد التقرير ( نموذجاً لعزلة نشـاط النخـبة النسائية عن المـرأة في قاعـدة  المجتمع، حيث أعلنت مجموعة من النساء في مدينة بحـري، معلـمات، ربـات بيوت، وفي حي الملازمين بامدرمان طبيبة ومعلمة وربة منزل، وفي الخرطوم جنوب موظفة، أعلن جميعاً أنهن لا يعلمن شيئاً عن قانون الأحوال الشخصية!). بعد ذلك ركز تقرير اللجنة المركزية على أهمية وضرورة ( الدراسات الميدانية في تأسيس موقفنا وخطابنا السياسي الحزبي الموجه للمرأة، على حقائق وشواهد موضوعية، وليس على شعارات عامة. فمازال خطابنا السياسي الموجه للمرأة محافظاً متخلفاً عن المستجدات في واقع المرأة السودانية ونشاطها وهمومها..).

إذا مزجنا هذه الصور الثلاثة بعضها ببعض، ستتشكل لدينا لوحة غنية مليئة بعدة إضاءات منها:

·   ضرورة النظر إلى المتغيرات العميقة والواسعة وسط كيانات المرأة في الريف والمدينة، وضرورة التعامل بذهن مفتوح لدراسة هذا الواقع وفق المناهج العلمية المعروفة.

·        قضايا المرأة الشابة.

  • قضايا المرأة العاملة والمرأة في الريف.
  • الإتفاقيات الدولية حول المرأة والخصوصية الثقافية.
  • المرأة المتعلمة المثقفة والمرأة ربة المنزل وغير المتعلمة.
  • إتباع المناهج العلمية في الدراسات والإستخلاصات
  • ..............إلخ.

هذه اللوحة، والعشرات غيرها، ألا تشكل أرضية لبرنامج عمل ملموس يخاطب هموم المرأة السودانية بكل قطاعاتها وشرائحها؟ ألا يمكننا أن نسهم جميعا في التصدي لمثل هذا البرنامج؟ وبجميعا أقصد المرأة والرجل. وبالمرأة أقصد الأكاديمية والسياسية والقائدة النسائية والمرأة النشطة في مختلف مجالات العمل العام غض النظر عن لبسها أو تدخينها للسجاير أو سفها "للسعوط"!!!!

 

 
     

فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية