د. العوض محمد احمد

 دعوة ..

 لجماعة مبادرة الأرترية ومن خلفها فصائل المعارضة الأرترية..

 
 

 حول ...

 

آخر قادة حركات التحرر الوطني في القرن العشرين

لمحة تاريخية:

إسياس إفورقي برز كقائد لحركة التحرر الوطني الأرتري في وقت كانت الساحة الأرترية تعج بقادة إستطاع كل منهم أن يضع بصمة على مسار النضال الأرتري ونذكر هنا إ دريس محمد آدم، عثمان صالح سبي، تلابايرو، محمدأحمد عبده،محمد سعيد ناود، وذاك الكم ممن تداولوا على جبهة التحرير الأرترية. فما الذي تفرد به هذا الآتي من رحم جبهة التحرير الأرترية! وأصبح من ألد أعدائها بل وكانت نهايتها كناطق رسمي أوحد بإسم الشعب الأرتري هي قمة إنتصاره ومعبره نحو تحقيق الإنتصار الإرتري بتلك المصافحة التاريخية مع جبهة تحرير وياني تقراي.

خرج إسياس إفورقي من جبهة التحرير الأرترية ورفاقه"الإثني عشر" على خلفية مأساة  كيداني كفلو"أحد القادة الميدانين الذين تم إغتيالهم في ظروف لم تتضح إبعادهاحتى الآن" وهو ما أعتبر حينها لدى قادة الجبهة ذوو التوجه الديمقراطي "الماركسي" نعرة عنصرية أُريد بها ضرب الخط الوطني الديمقراطي في الساحة الأرترية، وتجسد ذلك خلافا عقائدياً بين إسياس القادم من الصين الشعبية وقادة حزب العمل الأرتري المتشرب من الحركة الماركسية اللينينية في السودان وإثيوبيا. كان لإنعقاد مؤتمر أدوبحا والخلاف بين القادة الميدانين ومكتب العلاقات الخارجية أن مهد الطريق أن يقود محمد أبوالقاسم حاج حمد! تلك الصفقة التاريخية جامعا بين إسياس إفورقي وعثمان سبي وكان يفترض أن يكون ثالثهما عثمان عجيب الذي شارك في تلك اللقاءات ولكنه لم يطال شئ، فما كان منه إلا أن إرتمي في أحضان نظام البعث العراقي ربما كيداً لأبو القاسم! الذي أفقده وضعه كسكرتير للقيادة العامة ولم يضمن له وضعاً في التنظيم الجديد "جبهة التحرير الأرترية- قوات التحرير الشعبية" ولربما لبعد نظرٍ من إسياس إفورقي الذي قد يكون قد تخوف من  مواجهة مشكلة التعامل مع عثمان عجيب العسكري المدلل! بأكثر ما يشكله له عثمان صالح سبي الذي لم يكن أكثر من مستودع مادي يحتاجه التنظيم الوليد.

كان نتاج ذاك اللقاء إن أوجد إسياس إطار حماية له ولرفاقه ووجد عثمان سبي موطئ قدم له في الساحة العسكرية التي لفظته حينهاعلى خلفية المؤتمر الوطني.

إستطاع إسياس أن يبني جبهة صلبة إستنادا على عقلية عسكرية صقلتها فترة وجوده في الصين الشعبيه وتغليبها الحزم على الفكر في تربية كوادرها، وقد غلب عليه الحذر حتى أن عثمان سبي لم يكن له دور في بناء قواعد الجبهة و مقاتليها في الميدان، وهو ما جعل إعلان الجبهة الشعبية وإبعاد عثمان صالح سبي ليس سوى بيان يصدر من المكتب العسكري [لجبهة التحريرالأرترية– قوات التحرير الشعبية]  دون أي تأثير يذكر على السياسات التي إختطها إسياس أفورقي حينها.

وإن تصدر رمضان محمد نور قيادة الجبهة الشعبية إلا إن الجميع يعرف بإن الظروف الداخلية للساحة الأرترية هي التي حتمت تواري الزعيم الفعلي للتنظيم الجديد (اسياس افورقي) على الأقل شكليا، في زمن  كانت التورية هي السياسة الفعلية لكل فصائل الساحة الأرترية.

ومن هنا أيضا فإننا لا نلقي بالاً لما عرف بـحزب الشعب  الأرتري حيث لم يكن له دور في عرفنا سوى إمتصاص حماس الأعضاء الفاعلين في الجبهة الشعبية، ووسيلة لكبح جماح جماعات أخرى تستوجب ظروف الساحة مسايرتها.

 رغما عن التجاهل فقد أبلى حزب الشعب جيدا في أعقاب تصفية "أمان عندوم" في إديس إبابا وخروج الشعب من أسمرا والمدن الأرترية حينها مما شكل نقطة حاسمة في مسار الساحة الأرترية وبروز الجبهة الشعبية كتنظيم قادر على مواجهة جبهة التحرير الأرترية وهزيمتها!

في ذلك الوقت الذي كانت جبهة التحرير الأرترية تخوض في وحل خلافات قبلية مغلفة بإكسسوارات ماركسية وعروبية، كان إسياس افورقي يبني تنظيما عسكريا صلدا هدفه الأول السيطرة على الساحة الأرترية قبل التفكير في التحرير، لذا كانت معاركه محدودة وتكديسه للسلاح هم يومي.

وفي مقابل فقدان جبهة التحرير الأرترية لسلاحها وكوادرها إرتأى إسياس إن يخوض مغامرة كانت قد حسبت في حينها خيانة وطنية، ولكنها أثبتت قدرةً قياديةً يتمتع بها إسياس، كانت مبادرته تلك هي التحالف التاريخي مع جبهة  تحرير وياني تقراي.

وكان من ضروب المستحيل تقبل المواطن الأرتري حتى وإن كان داعما للجبهة الشعبية إي لقاء مع الأثيوبين ، ولكن في ظل قيادة إسياس  المتفردة للساحة الأرترية! لم يكن هناك مجال للإقناع والإقتناع بل كانت الطاعة العمياء هي الأساس، ومن يشذ عن القاعدة المرسومة مصيره مزبلة أعداء الوطن!.

أعد إسياس إفورقي جبهتة وذاته! ليوم محسوم وهذا دليل آخر على تفرده القيادي في الساحة الأرترية، فلم يكن يعنيه صراع مع القوات الأثيوبية بقدر ما كان يعنيه الصراع الإثني داخل أثيوبيا وتأثيره على طموحات الشعب الأرتري، وهنا قدمت أرتريا قائدها الذي تجاوز كل من سبقه وإثبت بحق إنه أهل لتصدر نضالاتها ومحقق لطموحاتها.

ما بين مرحلة التحرر وقيادة الدوله..

   قاد إسياس إفورقي الجبهة الشعبية، ولكن من خلف ستار دوماً! وحتى في تعامله مع حزب الشعب الأرتري كان يفرض سلطة فوقية، لذا لم تتشكل في مخيلته علاقة القائد مع جنوده بل كان دوما ينظر لهم كأدوات تنفذ ما يتوجب في طريق النضال، وبدأ شيئا فشيئا في إيجاد فارق بينه وبين رفاق سلاحه حتى أضحى رمزا لا يدانيه آخر في الساحة الأرترية. وفي مرحلة التحرر الوطني كنا نجد صعوبة في إستيعاب هذا، ولكن بعد الإستقلال يجب أن نقر، إن إستقرءَنا تاريخ النضال الأرتري، بإن إسياس إفورقي كان وسيظل القائد الأرتري الوحيد المؤهل للعبور بالشعب الأرتري من مرحلة التحرر الوطني إلى مرحلة قيام الدولة الأرترية.

ولكن هل يمكن لإسياس أن يقود المجتمع الأرتري في مرحلة بناء الدولة؟

 القرائن جميعا تقول بغير ذلك!!  فالإسلوب القيادي الذي فرضه إسياس خلال مرحلة التحرر الوطني لايمكن أن يجدي في مرحلة بناء الدولة الأرترية. لذا لم يكن أمام إسياس أفورقي من مخرج سوى إيهام الشعب الأرتري بإن مرحلة التحرر الوطني لم تنتهي بعد! بل يجب تواصلها تارة في مواجهة اليمن بحثا عن جزر، وأُخرى في مواجهة إصدقاء الأمس وياني تقراي حول أرض مهما كانت قيمتها فهي لاتبيح ما دفعه الشعب الأرتري دماءاً وتدهور إقتصادي، وهو مادعى لاحقاً لتصاعد الخلاف داخل أروقة النظام الحاكم!

 إن مهام مرحلة بناء الدولة الأرترية لايمكن القفز فوقها، وهي مرحلة تستوجب أدوات قد لا تكون مطلوبة في المرحلة السابقة للتحرر وتفترض قياداتٍ قد يكون دورها ثانويا في السابق.

الساحة الأرترية تحتاج لإشاعة للحرية والديمقراطية، حتى ينتابها احساس الإنتصار في معركة تحررها، وهو ما لايمكن ان يتأتى في ظل هيمنة يفرضها فرد أو هيكل حزبي. وحتى أعضاء الجبهة الشعبية لايمكن أن تستمر إستكانتهم إلى أمد طويل، ومن يفقد القدرة على إشاعة الديمقراطية في داخل هيكله الحزبي سيجد قدراً من العنت في أن يعترف للآخرين  بالحق الديمقراطي بعيداً عن الوصاية الأبوية التي كانت سائدة في المرحلة السابقة.

إننا يجب أن نعترف لإسياس أفورقي بحق لايدانيه آخرون، ولكنا في ذات الوقت نود لهذا الحق ألا يكون أداة تسلط أو عصاة قمع يواجه بها الشعب الأرتري، فإسياس هو القائد الذي برع في إيصال قضية الشعب الأرتري لبر الأمان، ويجب أن يظل كذلك لا تشوبه التقلبات السياسية التي تحكم مسار أي دوله. وتكريماً له ولما قدمه لشعبه يجب أن يظل حقاً محفوظاً من خلال دستور الدولة الأرترية، وهو ما سيجعله أباً روحياً لكل أرتري ورمزاً لإستقلال الدولة الأرترية وسيادتها (ولنا في المناضل الإفريقي نيلسون مانديلا أسوة حسنة)،ومن خلف ذلك يمكن أن تتشكل مفاصل البناء الأرتري وفق إطار تعددي  ديمقراطي يراعي الفوارق الإثنية والثقافية في المجتمع الأرتري.

أن نظرنا للواقع الإجتماعي الأرتري اليوم، فحتما سنلحظ هذا التطور الذي أصاب الساحة الأرترية، فإلى جانب قيادات الجبهة الشعبية هناك من القيادات الأرترية ممن كانت في جبهة التحرير الأرترية لها من القدرات مايؤهلها ان تلعب دوراً بارزا إن أعطي الشعب الأرتري الحق في تسيير إمور دولته.

وإن إحتدمت الخلافات قبل نصف قرن من الآن بين من كانوا يدفعون نحو روابط أوثق مع إثيوبيا الإمبراطور "هيلاسلاسي" ومن يسعون نحو إستقلال التراب الأرتري، فقد سجل التاريخ إن برزت جبهة التحرير الأرترية كوعاءٍ وطني تفاعل داخلها كل من الزعيم تلابايرو والقائد إدريس محمد آدم، وهو ما يضع أمامنا قدرة المجتمع الأرتري على تجاوز كل الإشكاليات التي تعترض مسيرته، وإن زمان الخلافات غير المؤسسة قد ولى،  الهم اليوم هو الوطن الأرتري وتطور علاقاته الأجتماعية، وهي معركة كل أرتري، بغض النظر عن موقعه إبان مرحلة التحرر الوطني .  

إن مرور عقد من الزمان على قيام الدولة الأرترية يجب أن يدفعنا إلى طرح مصالحة تاريخية زادها كل الأرتريين وهدفها بداية فعلية لبناء الدولة الأرترية، يجب على قوى المعارضة الإعتراف للجبهة الشعبية بحقها في مستخلصات التحرير وذلك من خلال تكريمها ممثلة في قائدها قائداً تاريخيا ًللوطن، كما يجب على إسياس أفورقي أن يضع حداً للتفرد بالسلطة وإرجاع الحق الأرتري لأبناء أرتريا من خلال إشاعة جو من الحرية والديمقراطية.

إن المطلوب اليوم هو ميثاق عمل توقع عليه كل القوى الأرترية يجسد إسياس أفورقي رمزاً لقيام دولة أرتريا الحرة، ويفصل قيام نظام حكم تعددي ديمقراطي يتيح لكل الأرتريين المشاركة الفاعلة في حكم بلدهم.

    لندن  15 يونيو 2003

 
   
فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية