د. العوض محمد احمد

السباحة ضد التيار .. إتفاقية عسكرية أمنية .. بين على عثمان طه

وجون قرنق .. تحكم السودان القادم!!

 
 

 

  * هل يتولد السودان الجديد من الأمن؟

 *  وأين يمكن أن تتوارى دولة السودان القديم؟

 *  وهل حقاً نحن أمام إفول دولة مؤسسة الجلابه؟

 *  ومن يحكم السودان في دولته الجديدة؟

1

خرج عرابا الصراع القديم .. الجديد وكأنهما على موعد في كينيا، ليقودا مفاوضات مارثونية اريد لها أن تكسر جبل الجليد بين مَنّ بيديهما مفاتيح الحل والربط في الأزمة السودانية الراهنة.

وهو حقاً موقف فريد حيث أن "جون قرنق" حُسبَ عليه إبان الديمقراطية الثالثة، إنه خرج على الإجماع الوطني الديمقراطي وأنتأى بعيداً مما أتاح لمحاوره اليوم "علي عثمان محمد طه" أن يقود إنقلاباً على الشرعية الدستورية حينها، ويتوحل السودان أربعة عشر عاماً، قبل أن يجلس العُرابان ليقتسما السيطرة على السودان أمنياً.

خرجت الإتفاقيةالأمنية في ظل ثوابت الإيقاد التي تقول بفترة إنتقالية مدتها ستة سنوات، في ظل تنادي إنقاذي لحوح ورضاء ٌ حركيٌ خجول، للمشاركة السياسية في الفترة الإنتقالية. وتصافح الجميع على أساس إن اللا ممكن قد أصبح واقعاً، وإن تجاوز بقية الخلافات لم يعد سوى مسألة وقت فقط.

قد لا يختلف كثيرون في إن ما حدث في نيفاشا يشكل إختراقاً أساسياً لقواعد اللعبة السياسية السودانية، مما قد يعني إفراز الجديد ، الذي يتوافق مع أصول اللعبة السياسية التي إختطها سادة السودان القادم. وهو ما يشير إلى أن العلاقة بين شركاء الغد يحكمها سودان آمنٌ يتيح لهما أن يقودا المجتمع السوداني نحو الآفاق التي تتوافق عندها روءاهم الفكرية وتكاملهم السياسي خلال الفترة الإنتقالية.

هنا نتوقف عند ما يعنيه التقاسم الأمني بين الإنقاذ والحركة الشعبية. فبحكم إن الطرفين هم من وقع الإتفاق الأمني ومن سيسهر على تنفيذه، فهذا يفضي وبكل بساطة إلى أن هذين الطرفين يجب أن يظلا في قمة السلطة حتى نهاية الفترة الإنتقالية على أقل تقدير، وإلا فسيكون على الإتفاق وتوابعه السلام! بصريح العبارة لا يمكن أن يكون هناك وجود للديمقراطية بمفهومها الليبرالي خلال الفترة الإنتقالية، وإلا كتب للصراع أن يتجدد في حال إنحاز الشعب لخياراته التقليدية. وهو ما دعى الإنقاذ إلى أن تحصن نفسها بالحركة الشعبية مطالبة لها بالمشاركة السياسية خلال الفترة الإنتقالية، ومن غير تلك الموافقة الضمنية من قبل الحركة الشعبية ما كان للإتفاقية الأمنية أن ترى النور.

كل هذا يفضي بنا إلى أن دولة السودان القادمة مبنية أساساً على مفهوم أمني، وإن كنا أكثر تفاؤلاً فقد نمني أنفسنا بأن هذا وضع مؤقت لا مناص منه للسودان خلال الفترة الإنتقالية.

ولكن..! أين هو موقع القوى السياسية الأخرى في الساحة السودانية؟

2

إصطحبت الحركة الشعبية بقية قوى التجمع الوطني الديمقراطي خلال فترة الصراع مع سلطة الإنقاذ، وإجتذبت الإنقاذ من خلال قانون تواليها قوى هامشية حاولت أن تفرضها كأوراق مساومة في أي مفاوضات مع القوى السياسية التي كانت فاعلة قبل إستلاب السلطة تحت جنح ليل الثلاثين من يونيو 1989.

قد يكون مفهوما أن تتنصل الإنقاذ من أي إلتزامات فرضتها على نفسها تجاه قوى بادرت هي في هيكلة وجودها الهلامي على خارطة السياسة السودانية، غير أن تخلي الحركة الشعبية عن حلفائها في التجمع الوطني الديمقراطي لا ينطوي على أبعاد أخلاقية فقط بل وعلى سقوط محتوم لمشروع الدكتور جون قرنق القائل بهيكلة سودان جديد.

من هنا نفهم الإصرار الإنقاذي على وجود تحالف سياسي بين المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية، فالإنقاذ لايمكن لها أن تواجه القوى السياسية الشمالية خلال الفترة الإنتقالية إلا من خلال إتفاقات تحكم مسار الحياة السياسية السودانية وتلعب فيها الحركة الشعبية دورا فاعلاً مصطحباً دعماً غربياً لنظام سياسي جديد يحكم السودان..! نظام يمكن له أن يلبي المطامح الأميركية في سودان ما بعد إندلاع الحرب ضد الإرهاب وتمدد الهيمنة الإميريكية لتطال كل موقع لمواد أولية مفترض  وجودها في هذا العالم.

إن الإشكالية التي ستواجه الحليفين الجديدين تكمن في فشلهما قراءة التركيبة الإجتماعية السودانية وبنيتها الفوقية التي أفرزت ما أصطلح عليه بدولة الجلابه. حقاً أن نظام الدولة السودانية الذي تكرس منذ قيام الدولة المهدية، كان نظاماً إستئثارياً نافياً لوجود الآخرين. ولكن البنية الإجتماعية السودانية بتوازعاتها العرقية والروحية والثقافية هي المنبع الفعلي لكل إشكالات المجتمع السوداني. واليوم يتوافق المتحاوران على إقتسام جديد للسلطة، ليس فيه من جديد سوى بروز رؤوس تحاول أن تحل محل من تبوأ قمة مؤسسة الجلابة التي أورثت السودان حروبه الداخلية.

إن القوى الشمالية والجنوبية التي لم يشملها الإتفاق الأمني ولن يشملها، على الأقل من خلال قراءة مسار نظام الإنقاذ، لايمكن لها أن تستكين وهي ترى أن مستقبلها السياسي قد أصبح بيد مغتصبي مواقعها القيادية التي إحتفظت بها كإرث خالد منذ بروز السودان كوحدة سياسية متكاملة. وهنا تبرز أهمية الإتفاقية الأمنية التي سعى لها وأنجزها علي عثمان محمد طه، ودورها المأمول في تشكيل سودان الغد، من خلال حمايتها للفترة الإنتقالية وتكريثها لوحدة سودانية مأمولة في ختامها.

3

إن الخاسر الأول من هذه الإتفاقية هي الحركة الشعبية وبصورة أكثر تحديداً هو الدكتور جون قرنق، فالإتفاقية الأمنية دفنت وإلى الأبد دولة السودان الجديد التي كان قرنق عراب طرحها طوال سنوات عدة. وأثبت رجل الإنقاذ الأقوى بأنه يعرف خطوات تحركه جيداً وهو يجذب اللاعب الأساسي في معسكر المعارضة، مشكلاً النظام السياسي القادم من خلال مشاركة شمالية ­- جنوبية تزيح رموز دولة الجلابة التي حكمت السودان وأحلالها برموز جديدة تستوعب إن الهيمنة الشمالية العروبية الإسلاموية يمكن أن تستبدل بتحالف فوقي يحسن من صورة الدولة السودانية التي أورثتنا هذا السودان المهترئ.

أن القوى المهيمنة على العالم اليوم هدفها إطفاء كل البؤر المتوترة في هذه البسيطة، ولقد توارت في عالم ما بعد سبتمبر 2001 العلاقات الدولية التي أفرزتها الحرب الباردة وحلت محلها مقولة إن الأمن هو الهاجس الأول للعالم الجديد. لذا حتى تلك الأنظمة الديناصورية في الخليج أصابها التقريع الأميريكي لأنها لم تجلب الأمن المذعوم للغرب المزعور. من صلب هذا المنطق رعى حلفاء الإيقاد المفاوضات السودانية ودفعوا بها إلى التوافق ومفهوم الملف الأمني الذي يشكل هاجساً للغرب والولايات المتحدة خاصة. وعليه فأن هذا الذي حدث في نيفاشا وجد ليبقى، وعلى القوى السياسية الأخرى أن تذعن للإرادة الأميركية وألا فستصيبها لعنة الإرهاب والمطاردة بين أزقة العالم التي لم تعد تستطع أن تستوعب المزيد

4

لقد كان من الواضح إن من تبوأ السلطة السياسية في دولة السودان طوال عمرها لم يكن يمثل هيكلية عرقية أو دينية بقدر ما هو هيمنة طبقية أفرزتها العلاقات الإجتماعية السودانية دافعة بصفوة أبناء القبائل والعشائر إلى أن يعتلو السلم الإجتماعي على حساب الطبقات المقهورة في كل أنحاء السودان، لذا لم تعف دولة الجلابه عن أن تضم بين جناحيها مجموعات من كل أعراق وثقافات السودان المتناثره.  وأن تحمل مسؤلية عبثها أولائك القاطنين في شمال وأواسط السودان رغماً عن إكتوائهم بنيرانها.

اليوم تطرح معادلة جديدة لإقتسام السلطة والثروة من تحت مظلة أمنية، أقل ما يمكن أن يقال عنها بأنها لاتمت للعدل بشئ. إن إفترضنا جدلاً بأن الحركة الشعبية ستكون أمينة على نصيبها في القسمة المطروحة وسوف تطلعُ بهموم المواطن في جنوب السودان، فيحق لنا أن نتسائل ما الذي جناه أهل الشمال والوسط من سيطرة قوى طبقية، لها مصالحها، على السلطة في السودان. أي  منفعة طالت هذه المناطق وهل الصراع الطبقي ينزوي حين تبرز العلاقات القبلية العشائرية أو حتى تلك الروحية. أن كانت الصراعات التي تحكم المجتمع السوداني يمكن إختزالها في إرتباطات عرقية وروحية لكان حريٌ بنظام الإنقاذ أن ينجح ويوحد كل الأقاليم الشمالية من خلفه، ولما جاء يوم التكالب الإنقاذي نحو الحركة الشعبية التي تحسب لديهم العدو الأيديولوجي الأول، هذا بحساب إن اليسار قد عفى عليه الدهر كما أنبأنا قادة الإنقاذ!

إنه السودان القادم.. يريدون منا أن نبتلعه شيئاً فشيئاً، فهو تحالف سلطوي فوقي بين قوى أيدولوجية متنافره ولكنها محسوب عليها بغطاء أميريكي أن تقود السودان نحو سلام يكفل للقوى الإقتصادية المهيمنة في عالم اليوم أن تستثمر أموالها حتى تستنزف خيرات بلاد ما زالت بكراً. وإن عجزت أطراف التحالف الحالي من أداء الدور المنوط بها فلن يكن هناك مناص من أن تتقدم القوى الفاعلة في عالم اليوم لجرد حساب السودان وإعلانه محمية دولية.

إستطاع علي عثمان محمد طه أن يجرد المعارضة من كل أسلحتها، وليس لنا أن ننتظر في مقبل الزمان سوى بروز حركة تحرر منشأها المناطق التي ظلت تعاني وهو تحاول نفي الإتهام بضلوعها في خراب السودان الموروث منذ العهد المهدي. وليس لنا سوى أن نقول بإن إعادة هيكلة دولة الجلابه لن تحل المشكل السوداني، وإن زحف المهمشين قادمٌ حتماً، وهذه المرة بدءاً من أواسط وشمال السودان.

لندن في 27/09/2003

 

 
   

فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية