على عسكوري

خزان الحامداب ...  خلط بين التنميه والتجارة ومفهوم خاطئ للتنميه

 
 

نسخة للطباعة

تمهيد

نحاول في هذه الصفحات تناول قضية خزان الحامداب الذي يحتدم الجدل حوله في داخل البلاد وخارجها. هدفنا الاساسي في هذه الصفحات هو مخاطبه مكون إعادة التوطين إذ أننا نتبواء رئاسة المجلس القيادي للمتأثرين بالخزان  وهي مسئوليه أمام الله قبل أن تكون أمام المتأثرين.

إلا أن تناول موضوع اعادة التوطين بمعزل عن المكونات الاخري يفقدُ الكثير من النقاط التي نود اثارتها مغزاها وقد يبدو الأمر وكأننا نخاطب جزءا من كل غائب. لامندوحه إذا من تقديم بعض الاسقاطات واستعراض بعض الخلفيات لقناعتنا الراسخه بأن أمر الخزان أمر يهم كل السودانين، لذلك سيجد القارئ بأننا نقدم لهذا الموضوع بخلفيه عن قضية التنميه في السودان، وهي خلفيه مختصره اختصارا نرجوا أن لايكون مُخلا. فقضية التنميه في السودان قضيه معقده  سالت بسببها الكثير من الدماء، نعلم مسبقا أن القاري يتفهم مغزي الاشارات التي نبديها حول الموضوع، ونسأل القاري العذر لهذا الاختصار.

نتناول أيضا موضوع انتاج الكهرباء والحكم الفدرالي ونطرح بعض الاسئله حولهماا. وحينما نفعل ذلك انما نطرحه من وجهة نظر قوميه وليس بوصفنا في قيادة مجاس المتأثرين. من الضروي التنويه هنا الي أن الأراء  المثاره حول التنميه والكهرباء ودور الولايه تعبر عن اراء الكاتب الشخضيه ولاتعكس بالضروره وجهة نظر المجلس القيادي للمتأثرين. ولقد أشرنا لأراء ومواقف المجلس القيادي أينما ورد ذكرها. أما موضوع إعادة التوطين فقد كان هادينا فيه مواقف ومداولات المجلس.

ويبقي أن نشير الي أن الهدف من نشر هذه الافكار، ليس وضع شروط ولاتسجيل نقاط ولا أسس للتفاوض ولكن القصد هو اثارة الحوار الحر حول هذا الأمر  الذي نؤمن بأنه بالغ الأهميه، إذ أن مشروع الخزان من وجهة نظرنا ونظر الكثير من المختصين، هو أكبر المشروعات الاستراتيجيه قاطبه.

مقدمه :  تنميه أم تجاره بشروط إسلارأسماليه

      غني عن القول أن الدوله السودانيه ومنذ أواسط سبعينات القرن الماضي إنتهجت نهجا رأسماليا في ادارتها لعملية التنميه,وأصبحت الدوله تستدين أموالا طائله من سوق رأس المال العالمي لتمويل مشروعات مختلفه كانت ومازالت محل جدل بين المختصين والمواطنين فيما يتعلق بجدواها ومردودها علي الاقتصاد القومي. وبما أن الاستدانه من سوق رأس المال العالمي تحتاج لتوفر قدر من الشروط الموضوعيه في الدوله المعنيّه (الاستقرار السياسي مثلا) اضافة الي أن نجاح المشروعات نفسها يحتاج الي قدر من الاداره الماليه والمحاسبيه والشفافيه  وحسن التدبير الاقتصادي، وهي شروط لم تكن متوفره في السودان، كان من الطبيعي أن تفشل  المشروعات وتتساقط واحدا تلو الاخر حتي أصبح من غير المعلوم اين  ذهبت الديون التي وصلت الي خمسه وعشرين مليار دولار. يضاف الي ذلك أن الوضع التنموي في السودان تأزم وأصبح  كارثيا بعد عام 1983، حين اختطت الدوله واتبعت نهجا للاداره الماليه يقوم علي ماسمته بالاقتصاد الاسلامي. واندفعت واشتطّت الدوله السودانيه في تبني هذا النهج بالرغم من عجز منظريها ومنظري النظام المالي المزعوم عن تحديد كيفيه مخاطبة قضية التنمية وكيفيه تمويلها تحت خيمة النظام الاقتصادي الجديد، خاصة في دوله مثل السودان. ولم يقدم منظروا هذا النظام أي طرح يخاطب قضية التنميه بوصفها قضيه محوريه تهم حياة الجمهور من السودانين. فمن الثابت والمعروف أن بالسودان موارد طبييعيه ضخمه كافيه لتغيير حياة الانسان فيه نحو الافضل، وأن مايعوق تحريك الموارد هو ضعف تراكم رأس المال المحلي نتيجة لضعف العمليه الانتاجيه نفسها، بجانب سوء الاداره وبؤس السياسات وعقمها وانعدام الاستراتيجيه، مضافا لذلك افتقار الدوله السودانيه لكثير من الكادر الفني المدرب الذي يستطيع تحريك الموارد وتوظيفها لمصلحة الانسان لفك اساره من ربقة الفقر والجهل والمرض. أمام هذه الاشكاليه صام وصمت منظروا النظام الاسلامي عن مخاطبة قضية التنميه واتجهوا كما هو معلوم لزيادة التراكم الطفيلي لرأس المال، وذلك بتحويل الدوله نفسها الي تاجر ومضارب ومحتكر للموارد يوزعها علي بطانته في شكل مشروعات تجاريه ذات عائد سريع ومضمون( البترول وسوداتل) بينما يتم إهمال قطاع حيوي كالزراعه. وكنتيجه لهذه الصوره المختّله والمعتله أصبح هنالك خلط فظيع بين عملية التنميه، التي تهدف في كلياتها الي احداث تحول بنيوي في الاقتصاد ينعكس علي مداخيل عامة الجمهور ويقود الي تحسن حقيقي في مستوي حياتهم ويدفع بالدوله نحو بلوغ الرفاهيه، وبين التجاره التي يعود ربحها علي مجموعه من سدنة النظام القائم.

إلاّ أن معين البلاد من تلك المشروعات التي يمكن تمويلها بتلك الطريقه المسماه اسلاميه (مرابحه، مشاركه، مضاربه) سرعان ما نضب بعد سنوات قليله من عمر نظام " الانقذاذ" الحالي، وذلك لعدة أسباب منها:

(1) إزدياد تمركز رأس المال الطفيلي في ايدي فئه قليله تبحث كلها عن نفس المشروعات

(2) دخول مجموعات - تدعم النظام بأموال طائله في فتره قصيره  تبحث هي نفسها عن مشروعات وإحتكارات مشابهه لتلك التي يبحث عنها سدنة النظام في الداخل

(3) قصر نظر وضعف أفق القائمين علي حركة إدارة المال من سدنة النظام

(4) ضمور وإنكماش السوق المحلي نسبة لانتشار الفقر والفاقه الذي قاد إلي تراجع الاستهلاك بصوره كبيره

(5) تخبط السياسات الاقتصاديه وانعدام الاستراتيجيه

أمام هذا الوضع المتدهور والمأزوم بجانب الكساد الذي عم البلاد أصبح البحث عن مشروعات أخري تعيد لرأس المال الطفيلي حركته أمر لامناص منه إذا لم يكن هنالك بدُُُ أمام الدوله الناهبه- في بحثها المحموم عن تحريك الموارد وخوفها من تآكل قيمة أصول سدنتها، - من الاتجاه لمشروعات البنيه التحتيه التى تهيبها رأس المال الطفيلي كثيرا إذ أنها لاتناسب شروطه الإنتهازيه غير أن مشروعات البنيه التحتيه تحتاج لأموال طائله غير متوفره داخليا  لضعف التراكم، كما أشرنا كما أن عائدها يحتاج لسنوات طويله، هذا بجانب إشكالية صيغ التمويل التي تتبناها الحكومه وكمثال لهذه الإشكاليه - فمن العسير مثلا أن تجد الحكومه ممولا أو شريكا خارجيا يرغب في الدخول معها في مضاربه لبناء خزان أو منحها قرضا حسن لتشييد كبري أو إعادة تعمير السكه حديد ورغم هذا المأزق والطريق المسدود الذي دخلته عملية التنميه منذ عام 1983، والذي تبنته (الإنقذاذ) من يومها الاول حيث حولت عملية التنميه إلي تجاره، رغم كل ذلك فقد ثبت أن لرأس المال الطفيلى أدواته وآلياته التى يدخرها لحل مثل هذه الإشكاليه التى إعتقد الكثيرون أنها ستؤدي به لا محاله. إذ حالما إتضح أن لهذا الرأسمال فقهاء مهمتهم إبتداع الحلول الدينيه والفقهيه وإيجاد المبررات لتجاوز مثل تلك العقبات الكؤود حتي وإن كان ذلك التبرير يعنى تدمير مجتمع مسلم وتشريده في الأرض، وقطعا تعمد اولئك الفقهاء أن ينسوا قول المصطفي عليه أفضل  الصلاة والسلام [ كل المسلم علي المسلم حرام دمه وماله وعرضه] وعلي كل ثبت أن اؤلك الفقهاء- حسب الطلب - لايترددون في إصدار الفتاوي التى تبيح لدولتهم الإسلاميه الإستدانه من سوق رأس المال العالمى لمشروعات البنيات التحتيه. وهذا أمر فريا! إذ كيف تستدين الحكومه بفوائد لبناء خزان لإنتاج الكهرباء وتبرر إستدانتها بالضروره والحوجه للكهرباء ولا تستدين لتمويل المشروعات الزراعيه لإنتاج القوت لعامة الناس فى بلاد يعترف أعلي مسئوليها بأن 95% من سكانها يعيشون في فقر مدقع وتعقد السمنارات وحلقات النقاش لابتداع الحلول لمكافحته. هذه ضروره لايراها فقهاء [الإنقذاذ] ولاتهمهم، بل يصرف هؤلاء الفقهاء أنظارهم عن مشكلة المعسرين من المزارعين الذين زجّت الحكومه بالاف منهم في السجون في ديون تافهه، في سابقه لم تحدث في أكثر لحظات التاريخ ظلاما.

غير أن الفقهاء كغيرهم  يرون العائد التجاري الضخم مما سينتجه الخزان من كهرباء والتى يستطيع سدنة النظام بيعها وكنز الملايين منها. ونحن نزعم وهنالك ما يعضد زعمنا بأن العائد من مبيوعات الكهرباء هو فقط الذي دفع الحكومه للتركيز علي مشروع الخزان. وفي حقيقة الأمر هذا أمر لاتواريه الحكومه بل لاتتردد في إعلانه [أنظر إعلان الدعوه للعطاء لبناء الخزان الصادر من وحدة تنفيذ الخزان والذى ذيله أحد المسؤولين برقم تلفونه الموبايل في سابقه لم يعرفها التاريخ في إعلانات العطاءات العامه]  كان ذلك الإعلان مدعوما بتلك الفتوي الدينيه التي أصدرها الفقهاء الذين ما انبروا إلا لتبرير أكل أموال الناس بالباطل حتي وإن كانت تلك الأموال هي أرض البسطاء الذين لا ملتجأ لهم غيرها.

بهذه الخلفيه المختصره عن أزمة صيغ التمويل الإسلاميه في مواجهة عملية التنميه، نحاول هنا مخاطبة الخلط والإرتباك والتعميه والتشويش الذي مارسته حكومة [الإنقذاذ] الوطني فى إندفاعها لتمويل مشروع الخزان، وذلك لأن من رأينا أن هذا المشروع هو أهم مشروع إستراتيجي يمكن إنجازه لتغيير الحياه في السودان إذ تم تنفيذه وإعداده  بصوره تحقق المصالح القوميه للبلاد بعيدا عن المكاسب الشخصيه التي يتدافع نحوها سدنة السلطان.  لكل ذلك ما انفك المجلس القيادي للمتأثرين يدعو لإشراك كل المختصين بالبلاد فيه وعدم تركه للمجموعه الحاكمه وبطانتها.

تتكون هذه الورقه من ثلاث محاور رئيسيه هي:

الهدف من المشروع

الدور الولائى

إعادة التوطين

الهدف من المشروع:

ماذا تقصد الحكومه عندما تقول بأنها ستقيم خزان؟ بمعني آخر ماهو هذا الشئ الذي تود الحوكمه إقامته؟ ونرجو أن لا يطلع علينا أحدهم ويقول أن الخزان هو سد ترابي أو خرصاني لحجز الماء،! إن مانقصده هو ماهي الطبيعه القانونيه لهذا الخزان؟ هل هو شركه؟ هل هومؤسسه عامه؟ هل هو جمعيه تعاونيه؟ ما هي الطبيعه القانونيه لهذا الشئ الذي يودون أن ينصبوه علي أرضنا؟ إن من حقنا كمتأثرين بالخزان أن نعلم لأي غرض تود حكومة الإنقذاذ الوطني أن نضحي بأرضنا؟ نحن لسنا قوما من الرجرجه لكي نترك أرضنا لأناس لسنا واثقين من أنهم يعرفون عمق إرتباطنا بأرضنا، إذ لو كانوا يعلمون ذلك لما هان عليهم الإندفاع لإغراقها بتلك الصوره العشوائيه التي لا تعكس أي معني أو إحترام لوطننا. لذلك نعتقد أنه من الضروري أن تحدد الحكومه تحديدا لا لبس فيه عن ماذا تعني بالخزان؟ وماهي مصلحتنا نحن المتأثرين  في إقامة هذا الشي؟ وإن لم تكن لنا فيه مصلحه فقطعا سنرفضه. هذا أمر لانحتاج للإستطاله فيه.

إن الإفتراض الأساسى للدراسه العقيمه التي تقوم عليها فكرة هذا الخزان تقول أن الهدف من المشروع -وتقول بهذا الحكومه أيضا- هو إنتاج الكهرباء وبيعها، لم تعلن الحكومه مطلقا أن هذا الخزان يقام لتنميه المنطقه، وبصرف النظر عمن ستباع له تلك الكهرباء وأين سيذهب عائدها،ومن هم اؤلك المحظوظون من سدنة النظام الذين سيتولون توزيع الكهرباء وبيعها، فعلي الحكومه أن تعلم بأننا لن نخسر أرضنا ونذهب للصحراء لكي نستصلحها.إن الدراسه التي يقوم عليها هذ المشروع لاتأخذ في إعتبارها مصالح المتأثرين ومستقبل أطفالهم، وهوأحد أكبر عيوب الدراسه.

أن الهدف المعلن لهذا المشروع هدف غير مقبول إذ أنه يعكس الصبغه التجاريه لدولة الإنقذاذ الوطني  وهو هدف مرفوض جملة وتفصيلا فنحن لسنا على إستعداد لترك ارضنا ليتاجر بها الأخرون أيا كان أؤلئك الآخرون من الإنقذاذ أو الإكتناز الوطني.

لكل ذلك نري أنه من الضروري إعادة تحديد وتعريف الهدف من المشروع علي أن تحدد الأهداف التنمويه بصوره واضحه حتي يكون مقبولا. فيما عدا ذلك علي الحكومه أن تتوقع الرفض الكامل للمشروع بكل مايعنيه ذلك الرفض

هنالك ثلاث أمور متعلقه بهذا الأمر:

إما أن يكون الهدف من المشروع هو التجاره

إما أن يكون الهدف هو التنميه

إما أن يكون الهدف هو مصادرة أرضنا بالقوه وتشردنا في الأرض لأهداف تعلمها الحكومه 

الهدفان الأول والثالث مرفوضان إبتداء، وفي حالة إصرار الحكومه علي المضي فيهما بالقوه فستترتب عليهم جراح سيطول إندمالها، ويجب أن لا تقلل الحكومه من ردة فعلنا.

أما إن كانت الحكومه ترغب في التنميه وتشابهت عليها البقر فخلطت بين التنميه والتجاره، فالمجلس القيادي أعلن مرارا أن له طرحا محددا حول هذا الأمر، ولكنه يربط طرحه باستعادة الحريات لكي تتمكن قواعده من التداول في الأمر بالشفافيه المطوبه فمثل هذه الأمور المصيريه لا يمكن مناقشتها في الظلام .

من ضمن المبررات التي تقول بها الحكومه لتبرير هذا المشروع زعمها بأن هذا المشروع يحقق مصلحه عامه! غير أننا تعتقد أنه من العسير جدا علي نظام سلطوى ممعن في القهر التحدث عن المصلحه العامه... هذا إبتداء، وهو أمر من الصعب تخطيه عند الحديث عن المصلحه العامه، ولكن دعنا [ومن أجل المصلحه العامه] أن نتجاوز هذه الإشكاليه التى نعترف بأننا نجد صعوبه بالغه في تجاوزها. وعلى كل عندما ياتي الحديث عن المصلحه العامه ينطرح سؤال أساسي: من هو الذي يحدد المصلحه العامه؟ وماهي الأسس التي يتم علي ضوؤها تحديد تلك المصلحه؟ وماهى أولويات تلك المصلحه؟ نحن أيضا مع المصلحه العامه لكل أهالي السودان حتي إن كان ذلك يقتضي طمر أرضنا وإزالتها من الوجود! ولكن نظرتنا للمصلحه العامه غير تلك  التي تعنيها الحكومه. ومن رأينا ان المصلحه العامه ذات الأولويه القصوي هى وقف الحروب وإراقة الدماء. فوقف الحرب يمثل الأولويه القصوي والمصلحه العامه الأولي قبل بناء السدود. فالذي يقصد المصلحه العامه لايسعي لإشعال الفتن وإرسال التجريدات والمناداه للحرب والإقتتال من أعلي المنابر في الجنوب والغرب والشرق بل حتي في ضواحي الخرطوم.ولإدراكه التام بأولويات المصلحه العامه كان المجلس القيادى قد إتخذ قرارا بالإجماع في إجتماعه الطارى رقم [2] وأعطي تفويضا كاملا لقيادته لإتخاذ كل الخطوات الضروريه لوقف تنفيذ الخزان بكل السبل لحين حلول السلام. والمجلس علي قناعه تامه بأن المصلحه العامه التي ترددها أبواق الخرطوم وتزعم بأن الخزان سيحققها، لن تتحقق والبلاد تخوض حروبا في كل أطرافها. لذلك فإن اي حديث عن ان المشروع يحقق مصلحه عامه، حديث مردود لن يلتفت له احد. ,إذا تجاوزنا كل ذلك لنا أن نسأل: هل تم إقناع الرأي العام السوداني بأن مصلحته العامه تقتضي طمر جزء من البلاد؟ وماهى تكاليف هذه المصلحه العامه من الناحيه الثقافيه والتاريخيه والاجتماعيه؟ وماهي التأثيرات المتوقع حدوثها علي المستوي القومي؟ وفي حالة حدوث تضارب بين المصلحه العامه والمصلحه المحليه لأي مجتمع، ماهي أساليب معالجه مثل هذا التضارب؟

من رأينا أن طمر اي جزء من البلاد وبصوره نهائيه هو أمر يهم كل السودانين وليس الحكومه المركزيه وأصحاب الأرض وحدهم. لذلك من الضروري أن يعرف كل السودانين أيا كانوا في الغرب او في الشرق او الجنوب، بأن جزءا معينا من البلاد سيتم طمره وإغراقه بصوره نهائيه.

ونختم هذا البند بالقول أن أهداف المشروع تظل مجهوله وغامضه وهو أمر يهدد المشروع برمته سواء نفذ تحت هذه الحكومه او أي حكومه أخري، إذ نري أنه من الضروري تحديد أهداف المشروع تحديدا دقيقا لا لبس فيه ولا غموض، تجنبا لنشوب النزاع حاضرا ومستقبلا.

الدور الولائي  

تقول حكومة الإنقذاذ الوطني أنها طبقت الفدراليه واصبح للأقاليم دور في شؤونها، سنري إن كان ذلك قد حدث

إشكالية الموقع

 حسب التقسيم الجغرافي للولايات والذي بنىّ علي حدود المناطق القديمه للحكم الأهلي التي تبنتها هذه الحكومه في تقسيمها الولائي، يقع هذا المشروع داخل ولايتين [ولاية النيل والشماليه] فبينما يقع جسم السد في الولايه الشماليه تمتد بحيرة الخزان 170 كيلومتر داخل ولاية النيل. هذا من ناحيه، من ناحيه اخري فإن ثلثي المتأثرين بالخزان [أكثر من خمسين الف شخص] هم من سكان ولاية النيل. يثير مثل هذا الوضع تساؤل أساسي وهو: أين يقع المشروع؟ ليس هناك جدال في أن السد يقع في الولايه الشماليه ولكن لولاية النيل أن تقول أن حوالي الثلثين من المتاثرين هم من سكانها وإن 97% من البحيره الناتجه  عن الخزان طولها 174 كلم، منها فقط 4 كلم في داخل الولايه الشماليه بينما  تمند لمسافة 170 كلم داخل ولاية النيل- وهذا الوضع يثير الكثير من الاشكاليات القانونيه خاصة فيما يتعلق بقسمة العائد من المشروع إن كان سيكون للولايات نصيب من عائد بيع الكهرباء وذلك بالنظر للإتفاقيات التي يجري إكمالها في نيافاشا هذه الأونه. فولاية النيل لاتنتج الكهرباء ولكنها تدفع ثمن قيام الخزان بتهجير مواطنيها وإغراق جزء ضخم من أراضيها وستقع عليها الكثير من الأعباء عند قيام الخزان وربما تحدث هزه إجتماعيه تكون آثارها مكلفه وتاثيراتها بعيدة المدي.

ولايبدو من ماهو متوفر من معلومات أن هذه المشكله قد تم تناولها ومن غير المعروف إن كان قانون الحكم الفدرالي الذي إبتدعه النظام وتقوم دولته عليه يقدم أو يطرح أي حلول لمثل هذه الإشكاليه بكل تداعياتها الإقتصاديه والإجتماعيه. غير أننا نعتقد بأن قانون النظام لايخاطب مثل هذه الإشكاليه، خاصة وقد عرف النظام بقصر النظر والإرتجاليه في كل قوانينه التي اسست وماتزال تؤسس لمركزيه ممعنه في التمركز.

إشكاليات أخري

 هنالك سؤال آخر، وهو كيف تنظر الحكومه المركزيه لهذا المشروع ؟ هل هو مشروع قومي؟ مع عدم اقتناعنا بهذا المبدأ الذي إستحدثته حكومات الخرطوم لنهب موارد الأقاليم وصرفها في بناء القصور الفخمه في جنبات المدينه التي مات قلبها قبل عشرين عام. من الضروري تحديد الكيفيه التي تتعامل بها حكومه الخرطوم مع المشروع. ففي حالة إعتباره مشروعا قوميا تصبح الولايتين ( النيل والشماليه) مستضيفتين للمشروع علي اراضيهم وليست لهم علاقه به مثله مثل باقي المشروعات في الأقاليم الأخري- التي تسميها الخرطوم قوميه والتي إزدردتها الخرطوم واحدا تلو الآخر. أم إن كان للمشروع وضع آخر فمن الضروري إيضاح هذا الأمر وشرحه وتبيانه وتحديد علاقة الولايتين به حتي تصبح مشاركتهم وفق أسس محدده يقررها الدستور ولا تستطيع الخرطوم أن تتغول عليها. هنالك الان نقاش حول هذه المشروعات القوميه في إطار إتفاقيات السلام، هل تنطبق نفس الأسس التي سيتم الإتفاق عليها علي هذا المشروع؟

التعويضات، الصمت والمسئوليه

وسط كل هذا الكم الهائل من الإجراءات داخل الولايتين، يلاحظ الغياب التام لصوت الولايتين في هذا الأمر. لم تتم حتي الآن مناقشة هذا المشروع في أي من برلمانات الولايتين، لا في الدامر ولا في دنقلا، بل لم تتم مناقشته حتي في البرلمان في الخرطوم. هذا الأمر يتحمل نتيجته  أولئك الذين تصدوا لتمثيل الناس تحت هذا النظام الشمولي. فكل النواب من ولاية النيل او الشماليه والذين لزموا الصمت تقع عليهم مسئولية الفوضي التي ستحدث كنتيجه لإندفاع الحكومه في تنفيذ هذا المشروع بدون الإعداد المطلوب. وحدهم يتحملون تبعات ترك اقاليمهم فريسه لتنهب مواردها الخرطوم.

أما اغرب ما في امر الولايتين فهو عدم مطالبتهم الحكومه المركزيه بتعويض لقيامها بتنفيذ هذا المشروع. هذا التعويض لاعلاقه له بتعويض المتأثرين. إذ أن من حق هذه الولايات ان تطالب الحكومه المركزيه بالتعويض لطمرها جزء من اراضيها. وحجم هذا التعويض يجب أن يكون في حجم الخساره الأبديه التي ستقع علي  الولايتين بفقدانهم جزء من أراضيهم. هذا الصمت ربما يكون مرده إلي جهل الولايتين بحقهم في التعويض. ,إذا كانت الولايات لا تعوض عند طمر اراضيها فما معني ولايتها علي هذه المناطق. إلا إن كان القائمون علي هذه الولايات وكلاء لحكومة الخرطوم وليسوا حكاما لهذه الولايات تقع عليهم مسئولية حفظ حقوقها وحقوق مواطنيها. من خلال هذا الأمر سنعرف إن كان ماتقوله حكومة الخرطوم عن الحكم الفدرالي هو حقيقه ام هو تمديد للشموليه القابضه التي وصل بها الحد بأن تعلن حظر التجول حتي في القري النائيه.

إن الذين يقومون بأمر الولايتين تقع عليهم مسئوليه أخلاقيه قبل أن تكون سياسيه. إذ يقع عليهم أمر توعية اولئك البسطاء الذين شرعت حكومة الخرطوم في إغراق اراضيهم ومساكنهم وابعدتهم عن النيل والماء وهو امر لايقول به عاقل إذ أن الماء أهم من الأرض الزراعيه، وهذا أمر سيتحملون مسئوليته أمام الله وأمام ضميرهم، وسيسألون؟

هنالك امر آخر لم تأبه به الولايات، ولم تتناوله الدراسات، وهو أمر المتأثرين بالمشروع  والذين تقع اراضيهم خلف الخزان (الي الشمال منه)  فمن الثابت أن المواطنين في المناطق خلف الخزان ستتأثر حياتهم تأثيرا كبيرا خاصة فيما يتعلق بشكل الحيازات الزراعيه وسيترتب علي ذلك تكاليف إضافيه وصعوبات جمه فيما يتعلق بري أراضيهم كنتيجه لإنحسار الماء وبعده عن مكانه الطبيعي. هؤلاء أيضا يمثلون جزءا أساسيا من المتأثرين ومن حقهم مطالبة حكومة الولايه الشماليه والحكومه المركزيه لتعويضهم عن التكاليف الجديده التي ستنشأ لتغيير مضارب الري وتحويل الطلمبات وتغيير القنوات. هذا أمر لا يجب التقليل منه لأن الإنحسار الكبير في مياه النيل من شأنه أن يجعل ري أراضيهم أمر بالغ الصعوبه وربما يكون متعسرا في بعض المناطق التي يكون مجري النيل فيها عميقا. وربما يقود الأمر في النهايه الي ضرورة إعادة توطين بعض القري كنتيجه لإستحالة ري اراضيها، وهذا أمر لم تتم دراسته ولم تهتم به الولايات.

موضوع اخر وأخير نود الإشاره له في قضية الولايات. فمن المعروف أن مساحة الولايتين تعادل مساحة الكمرون تقريبا فبينما يبلغ سكان الكمرون 15 مليون (1997) انحدر سكان الولايتين من حوالي سته مليون نسمه في مطلع  الثمانينات إلي أقل من مليوني شخص بنهاية القرن الماضي وماتت الحياه في شمال السودان واندثرت الكثير من القري وهجرها اهلها في رحلة خروج بلا عوده، واختفت حتي الكلاب الضاله إذ لم يعد هنالك ما تضل في إبتغائه. في ضوء قيام هذا الخزان هل هنالك خطط واستراتيجيات للإستفاده من المشروع لإعاده الحياه لمناطق الشمال التي ماتت؟.

إن الطرح الذي تقدم به حكومة الخرطوم هذا المشروع طرح يتجاهل الولايتين ويعطيهما دورا ثانويا وهو وضع لايمكن القبول به في ظل الحديث عن حكم فدرالي للبلاد. فإن كانت الولايات لاتشارك في إدارة مواردها وحياة سكانها فلا داعي لها اصلا وقد تعب الناس من هذه المسميات والمصطلحات التي لم تعد تعني شيئا، أكثر من أنها وضعت عبئا ضخما من مرتبات العاطلين والمتبطلين ومخصصاتهم وملحقاتها... الخ ، اصبح علي المواطنين تمويلها، حتي إنهارت دورة الإنتاج تحت وطأة الضرائب الباهظه.

إن للولايتين مثل باقي ولايات السودان من الكفاءات المهنيه في كل المجالات ما هو قادر علي النهوض بأمر هذا المشروع دون حوجه لتدخلات حكومة الخرطوم التي ماتدخلت في أمر إلا افشلته. و لقد نما إلي علمنا ان هنالك الكثير من أبنا الولايتين لهم تصورات ودراسات حول هذا الأمر وكيفية الإستفاده منه بصوره مثلي، لذلك من الضروري عدم الإندفاع في هذا المشروع  والتريث لحين عودة الحريات ليتمكن الجميع من طرح افكارهم في قضيه محوريه ومفصليه بالنسبه لهم ولأهلهم، هذا بجانب ضرورة  إستصحاب آراء الخبراء السودانبن  والإستفاده من رأيهم

صمت من نوع آخر

بالرغم من أن كل القوي السياسيه اعلنت في إتصالاتنا معها دعمها اللامحدود لقضية المتأثرين؛ ماعدا طبعا حزب ( الإنقذاذ الوطني) وهذا امر نفهمه؛ إلا انه تلاحظ إقتصار دعم القوي السياسيه  علي القول الشفهي وعجزت  كلها حتي عن إصدار بيان يدين ماتقوم به الحكومه من تهجير للمواطنين للصحراء؛ ونحن علي درايه بانشغال القوي السياسيه بأمر السلام ولكن هذا لايعفيها من الإضطلاع بمسئولياتها ألأخري؛ أما صحافة الخرطوم فأمر إنهزام الهلال أهم  عندها من ترحيل المواطنين للصحراء. أليس غريبا ان لايقوم أي  صحفي بزيارة المنطقه التي تود الحكومه إغراقها؛ نحن نفهم بأن لايقوم وزراء الإنقاذ بزيارة أهلنا لرؤيتهم وهم يغرقون؛ اما أن لايتفقد الصحفيون احوال الناس في مثل تلك الظروف فهذا أمر يجيب عليه صحفيو الخرطوم!؟

إعادة التوطين

أشرنا لموضوع إعادة التوطين لماما في مواقع اخري ونود هنا أن نستعرضه ببعض التفصيل. موضوع إعادة التوطين موضوع شائك وصعب ومعقد ويتعلق ببقاء مجتمع بأكمله وتحويل جذري في حياته، لذلك يظل هذا الأمر من أصعب مكونات المشروع إن لم يكن اصعبها فعلا وموضوع إعادة التوطين في هذا المشروع كما تطرحه الحكومه يعتبر ناتجا مصاحبا لقيام الخزان الذي أشرنا الي أننا مازلنا نجهل كنهه القانوني.

وكما اسلفنا فبدون أن تحدد الحكومه لماذا تود إعادة توطين المواطنبن، لن يترك احد ارضه. إذ لايكفي أن تقول الحكومه بأنها تود إقامة خزان فمن حق الناس ان يعلموا لماذا يقام الخزان ومن هو المستفيد منه؟ ولأجل من يتم إغراق ارضهم؟ وهل لهم مصلحه فيما يجري؟ ومن أجل من يطلب منا التضحيه بأرضنا؟ أللهم إلا إن كانت حكومة الخرطوم تعتقد بأننا كمَ من الرجرجه والدهماء يصرفها شخص لهذا المكان ويردها لغيره آخر. وليس هذا السلوك غريبا علي حكومة الخرطوم، فهي اصلا لاتقيم وزنا لانسان الريف، فمن لم تفتك به المجاعات والملاريا والأوبئه فتكت به  التجريدات العسكريه المموله بأموال الأقاليم الأخري.

لذلك كان رأي المجلس القيادي محددا في ضرورة أن تحدد الحكومه ماهية هذا الشئ الذي تود أن تنصبه علي أرضنا، وهذا أمر بالغ الآهميه إذ علي ضوئه تتحدد وتتوقف موافقة المواطنين علي التضحيه بأرضهم من عدمها

لا مناص عند الحديث عن إعادة التوطين من الحديث عن قضية ملكية الأرض التي تحاول حكومة الخرطوم تفاديها دون طائل ومن نافلة القول أن امر كهذا لا يمكن تفاديه بمثل تلك الوسائل الغريبه التي تحاول حكومه الإنقاذ إتباعها، إذ ظلت تعيد وتكرر بأن الأرض في السودان هي ملك للحكومه، وهذا أمر غريب كغرابة الحكومه نفسها عن المجتمع

ملكيّة الأرض

يثير طرح موضوع ملكية الأرض في السودان الكثير من الإشكاليات في السودان، وهو أحد المواضيع الشائكه التي تتم مناقشتها في إتفاقيات السلام حاليا.

وقبل أن نمضي في هذا الموضوع قدما يجب ان نؤكد هنا بأن أهالي المنطقه التي سيقوم عليها الخزان والمتأثرين به لايقرون بأي ملكيه لحكومة الخرطوم في ارضهم. فالأرض مكان النزاع ملك حر لاتستطيع الحكومه بأي صوره إدعاء ملكيتها. يجب الاّ تنازعنا الحكومه في ارضنا! نحن لا ننازع الحكومه في أمر إقامة الخزان إن كان يحقق مصلحه عامه كما تقول، ولكن عليها ان لا تتخذ من الخزان مدخلا لمصادرة ارضنا وتشريدنا، هذا أمر جد خطير وستكون عواقبه وخيمه إن اقدمت عليه الحكومه. وعلي كل فإن الارض مكان المشروع أرض مملوكه لأشخاص معروفين وهي ملكيه تقرّها الحكومه وتتعامل بها ويتم بموجبها فضّ النزاعات في المنطقه وتعمل محاكمها علي أساسها إستنادا علي قانون الأراضي لسنة 1909.

ظل المجلس القيادي يكرر دون ملل بأن المشروع بصورته الراهنه لا يحقق مصالح  البلاد، ولايفتح أي افق أمام المتأثرين في غد أفضل ويقود فقط لتدمير مجتمع آمن يعيش وسط غابه من الصخور والجذر والجبال رغم ذلك تحسدنا حكومة  الخرطوم علي صخورنا، ولكن لتلك الصخور قيمه لا تعرفها حكومة الخرطوم، فحكومة الخرطوم لاتعرف أن تلك الصخور هي أرضنا التي لاينازعنا فيها أحد، وبالنسبه لنا فالأرض لاتمتد قيمتها من صلاحيتها للزراعه، ولو كان الأمر كذلك لترك اليابانيون ارضهم وتفرقوا في الأرض بحثا عن ارض يزرعونها. فالأرض لاتكسب قيمتها من صلاحيتها للزراعه  من عدمها إنما تمتد قيمتها من إيمان سكانها بأنها وطنهم وأن عليهم إعمارها والإستقواء عليها وترويضها وإستئناسها وتنميتها.

هذه أمور لاتعرفها حكومة الخرطوم، فالتنميه بالنسبه لحكومة الخرطوم تعني الزراعه وإنتاج البصل الأخضر والفلفليه والخيار، وهو أمر لانتفق معها فيه. هنالك الآن خمسه وثمانون بالمائه من سكان السودان يشتغلون بالزراعه كلهم في وضع أفضل من المتأثرين لممارسة الزراعه نتيجه لتوفر الأرض الزراعيه لديهم، ولكن شاءت إرادة الله ان تكون أرضنا أرض لاتصلح للزراعه وليس هذا معناه أن نتركها ونرحل لكي نمارس الزراعه في أراضي الآخرين، حسب مزاج المستوزرين في حكومة الخرطوم،  ولكننا نعتقد أن  ارضنا تصلح لنشاطات اخري غير الزراعه يمثل وجود الطاقه مدخلا جيدا  لسبر غور الموارد في ارضنا وتحريكها والإستفاده منها. وما لاتعرفه حكومة الخرطوم  هو أن لنا معركه محتدمه مع الصخور الجلاميد منذ مئات السنين إجترحها أجدادنا وعقدنا العزم علي كسبها، ولن نسمح لحكومه الخرطوم بأن تعلن هزيمتنا. بعض القوم يرون في إعلان الهزيمه امر عادي، نحن غير ذلك، فنحن نؤمن بأن الله قد خصنا بتلك الصخور لأننا في مثل صلابتها، ونؤمن بان تلك الصخور إن لم نستأنسها نحن لن يستطيع بشر آخر ان يروضها. لذلك علي حكومة الخرطوم مساعدتنا في مهمتنا أو تركنا لحالنا، فنحن نحب تلك الأرض ولن نتركها بلا حياه كي تموت.

لقد ظل المجلس القيادي يكرر دون ملل أن هنالك إمكانيه جيّده لإعادة توطين المتأثرين في نفس ارضهم، وذلك عن طريق تغيير أسس حياتهم ونشاطهم وسبل كسب عيشهم. إلا أن الحكومه تصر علي ترحيلنا إلي أراضي مملوكه لمجتمعات أخري. وبالرغم من العلاقه الجيّده التي تربطنا بتلك المجتمعات إلي جانب علاقات التزاوج والمصاهره وغيرها، إلا ان أمر الأرض في شمال السودان أمر مختلف وبالغ الحساسيه، وما تود الحكومه أن تقدم عليه من شأنه زرع بذور الفتنه بين مجتمعات متسالمه تعيش مع بعضها في سلام. فحدوث أي شجار تافه، حتي وإن كان بين أطفال المدارس، قد يقود لا قدر الله إلي إحداث فتنه ربما يصعب في نهاية المطاف السيطره عليها ومثل هذا الأمر إن وقع ربما يقوض أسس السلام الإجتماعي في الإقليم بكامله، وهذه أمور خطيره لانعتقد أنها قد أخذت في الحسبان.

كانت هنالك محاوله إبان عهد جعفر نميري لترحيل جزء من سكان المنطقه إلي مشروع كبوشيه لتخفيف الضغط علي الإرض في المنطقه، إلا ان الأجهزه ( المختصه) في ذلك الوقت - وبعد ان درست الموقف وقيمته بعنايه- أوصت بعدم الإقدام عليه، لذلك ظل مشروع كبوشيه ومنذ ذلك الوقت قنوات بلا ماء وارض بلا مزارعين. لقد كان ذلك قرارا حكيما تمت دراسته بعنايه بالرغم من انه إقتضي أن يعيش أهلنا في ضيق مابعده ضيق، إلا أنه افضل بكثير من وقوع فتنه بيننا وبين مجتمعات نبادلها السلام  ونمر بديارهم آمنين ويمرون بديارنا مطمئنون.

إن تهجير هذا الكم الهائل من مجموعه واحده لمنطقه تتبع لمجموعه أخري- وإن تقاربت الدماء وتداخلت الأعراق، هو امر يجب الوقوف عنده كثيرا وتقليب جوانبه والتبصر في نتائجه ومآلاته وليس الإندفاع فيه خاصة في منطقه مثل شمال السودان تعاني كلها من ضيق الأرض الزراعيه.

وبالعوده لوثيقة المشروع التي أشرنا إليها، نقول أن بها خلل أساسي آخر هو أنها لا تخاطب قضية العرب الرحل في المنطقه ولا تقترح شيئا لمعالجة قضيتهم وهم يشكلون حوالي أربعه الآف نسمه (حوالي ستمائه أسره) تختلف طبيعة حياتهم  من حياة أهلهم علي النيل فهؤلا لن يخسروا نخلا ولا أرضا. فهم يعيشون بمنأي عن النيل وطالما هم كذلك رأت الحكومه تركهم في حالهم. وهذه نظره قاصره تبين عقم وبؤس العقليه التي تقف خلف المشروع . فهؤلاء التعساء الذين يعيشون في الباديه ترتبط حياتهم بأهلهم علي النيل إرتباطا لافكاك منه. فأطفال هؤلاء يدخلون المدارس التي توجد في القري علي النيل. ويأتى مرضاهم للإستشفاء في الشفخانات ونقاط الغيار علي النيل، ويأتي اغلبهم لقضاء حاجياتهم المعيشيه وتسقط أخبار حكومة الخرطوم بين أهلهم علي النيل. وبالرغم من تداخل المجتمع بهذه الصوره إلا أن مهراجات الخرطوم يصرّون علي ترحيل نصف المجتمع وترك نصفه الآخر وهذا أمر لايقوم به من يدعي خدمة المصلحه العامه.

أمر آخر يكشف خطل هذا المشروع ويتمثل في معاقبتنا مرتين. أولها هو إغراق أرضنا وطمر حياتنا وثانيا إجبارنا علي الرحول إلي منطقه لا نرغب في ان نستوطن بها، ليس لأنها معيبه أو سيئه، بل لأنها تتبع لمجموعه اخري نحرص أشد الحرص علي أن لا ندخل في نزاع وشجار معها حول الأرض.

إننا ملاك لتلك الأرض نمتلكها كما تمتلك أي مجموعه أخري في السودان أرضها، ونحن لسنا علي إستعداد لترك ارضنا لنتحول من ملاك إلي أجراء لدي حكومات الخرطوم تستزرعنا الأرض حسب مزاجها وحسب توفر السيوله ومدخلات الأنتاج وقطع الغيار.

إن الذين يعتقدون أننا مجموعه من النعاج يمكن سوقها في أي اتجاه عليهم مراجعة موقفهم! إننا نختلف إختلافا  مبدئيا ومنهجيا مع حكومة الخرطوم في إ صرارها علي أن يعتمد الناس في شمال السودان علي الزراعه. إذ اننا ندري مثل مايدرى اي إناس آخر اعطاه الله نعمة البصر، بأن  شمال السودان لايمكن أن تزدهر فيه أي حياه معتمده علي الزراعه، إذ أنه لاتوجود ارض زراعيه يمكن الإعتماد عليها إبتداء.

يقودنا هذا الحديث للحديث عن البدائل ونقدم له بخلفيه نعتقد انها ضروريه

البدائل والحلول

ظل مهروجوا الدوله السودانيه الحاليين والذين سبقوهم بإحسان، يرددون منذ  عام 1956 بأن السودان قطر زراعي. أليس غريبا أن يقال ذلك عن دوله نصفها صحراء! كما إنها ونتيجة لمافعله المهرجون بها، اصبحت تستورد قوتها من سهول البراري والغرب الإمريكي( الصليبي) بل بلغ الحال بهذه الدوله أن تستورد حتي مياه الشرب. فمهرجوا الخرطوم يفضلون إستغلال مياه النيل لإنتاج الكهرباء وبيعها وإستخدام العائد لإستيراد مياه الشرب من الخليج ومن مصر وربما حتي السعوديه.

إن القول بأن السودان دوله زراعيه قول يتسم بأحاديه مطلقه، وهو تفكير خاطي أضّر بقضية التنميه في السودان وعطلها وأخّرها وأهدر أموالا طائله دون فائده.

والقول بأن السودان دوله زراعيه يقابل قولك بأن السودان دوله عربيه إسلاميه. فبينما تخرج الأخيره الأفارقه وغير المسلمين من حظيرة الوطن، تخرج الأولي كل شمال السودان من الوطن. إذ ببساطه لاتوجد أرض زراعيه بشمال السودان، فتلك الحيازات الصغيره والجروف المتناثره لايمكن أن يقال عنها انها أرض زراعيه. وقد قدر لي في سنوات حياتي المختلفه أن أزور كل اجزاء السودان، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا الي ذلك قضيت ست سنوات  طالبا بجامعة الجزيره زرت خلالها الكثير من اجزاء المشروع ومناطق عديده بالإقليم الأوسط. وكدارس للتنميه وعامل في مجالها ومتابع لتطوراتها في السودان، إتضح لي ضخامة وعمق الخطأ المفهومي للتنميه الذي وقعت فيه الدوله السودانيه التي قامت في عام 1956. فعندما تقول حكومة الخرطوم بأن السودان دوله زراعيه، عليها أن تجاوب علي السؤال: أين سيزرع الناس في شمال السودان؟ أم أن علي أهالي شمال السودان الهجره وترك ديارهم ( وتوفيق أوضاعهم)  ليحققوا تعريف الحكومه للبلد بأنها قطر زراعي!؟

لقد ظلت الحكومات المتعاقبه تردد كالببغاء بأن السودان قطر زراعي، وهو تعريف أحادي قاصر ومختل ولا يعكس واقع التنوع في السودان. إن التنوع الذي يتحدث عنه رفاقنا في الحركه الشعبيه إنما يعني التنوع في كل شئ، يشمل ذلك فيما يشمل تنوع المناخات وأنماط الإنتاج وسبل كسب العيش وإختلاف الموارد في كل إقليم، وليس هو تنوع ديني فقط كما فهم مهروجوا الحكومه، وربما يستغرقهم الأمر أربعة عشر عاما اخري ليستوعبوا ان هنالك تنوع بيئي وتنوع في الموارد وأنماط الإنتاج، ويومها سيكتشفوا" الذره". إن القول بأن السودان قطر زراعي قول خاطئ يعكس الأحاديه في التفكير وقصر النظر وانعدام البصيره. وهو قول من شأنه أن يؤخر قضية التنميه في الأقاليم التي ليست بها أراض زراعيه، أو بها اراض زراعيه وليست بها مياه. هذا التعريف القاصر لايتأثر به الإقليم الشمالي فقط، بل يُخرج أقاليم شمال دارفور وشمال كردفان وكل البحر الأحمر من الدوله. مجموع السكان في هذه الأقاليم مضافا له ولاية النيل والشماليه يقارب العشره ملايين نسمه، يخرجهم ذلك التعريف القاصر من اولويات التنميه.

إن السودان من وجهة نظرنا دوله متعددة المناخات والموارد، وهو دوله بقدر ماتصلح للزراعه، تصلح للصناعه والسياحه والترفيه والصناعات التحويليه  والرعي .. إلخ  ونعتقد أن علي الدوله السودانيه إسقاط ذلك التعريف القاصر، وإعادة النظر في المفهوم القومي للتنميه، إذ لا يجب إعطاء الزراعه أولويه علي التصنيع او علي  الرعي، او السياحه، كل هذه القطاعات مهمه وترتبط بحياة مجموعات مختلفه ومن الضروري الإهتمام بها علي قدر المساواه. إذ أن من شأن إعطاء الزراعه  أولويه علي القطاعات الأخري، إعطاء أولويه لسكان الوسط وما حوله علي باقي الأقاليم.

وبالعوده لشمال السودان نقول أنه أصبح من الضروري أن يفكر الناس في نشاط آخرغير الزراعه يعتمد عليه الإقليم فالزراعه كما أشرنا تنعدم مقوماتها في شمال السودان ولايمكن إحداث أي نهضه في الشمال إعتمادا علي الزراعه.

طرح الحكومه للتوطين

  تصنف الحكومه الجموعات المتأثره الي تلاث مجموعات كالتالي:

مجموعة الحامداب تشكل ثمانيه في المائه

مجموعه أمري تشكل  ثمانيه وعشرون في المائه

مجموعة المناصير تشكل أربعه وستين بالمائه

العدد الكلي لهذه المجموعات يصل أو يزيد قليلا عن خمسون ألف نسمه

الطرح الذي تتبناه الحكومه وقد سرعت فعليا في تنفيذه كالآتي:

المجموعه الأولي يتم ترحيلها إلي منطقة الملتقي( بدأ برنامج ترحيلها فعليا) وهذه منطقه تقع في الصحراء عند تقاطع طريق شريان الشمال الي مروي والدبه. التربه في هذه النمطقه غير صالحه للزراعه أثبتت ذلك التحاليل المعمليه في جامعه الخرطوم والبحوث الزراعيه في مدني  ومعامل المملكه المتحده. الحكومه علي علم بذلك  وهو أمر معروف  وقد اشار إليه إتحاد المتأثرين (انظر البيان الذي اصدره إتحاد المتأثرين - بدون تاريخ وحمل توقيع كل من محمد سيد رئيس اللجنه وعثمان خليفه الرئيس المناوب وأبو القاسم محمد عمر أمين المال) هذا البيان اكد بصوره لالبس فيها رفض المواطنين لمنطقة الملتقي

المجموعه الثانيه تنوي الحكومه ترحيلها إلي وادي المقدم شمال الدبه في الصحراء

أما المجموعه الثالثه فتنوي الحكومه ترحيلها إلي وادي المكابراب بالقرب من الزيداب

مثل هذا التشتيت لمجموعات متداخله ومتزاوجه ومتجاوره  ومترابطه إجتماعيا لاتقدم عليه حكومه يهمها أمر الناس. هنا تتجلي عبقرية الإخفاق في أروع تجلياتها وأبهي صورها.

أكبر عيوب هذا النهج هو أنه تخلص من المتأثرين وليس إعاده لتوطينهم. ثم إن هذا الأمر يضر بالمتأثرين مرتين، فهم لايعوضون ارضا زراعيه - كما اشرنا كما انهم يُبعدون عن النيل والماء، وهذا امر خطير جدا حدث للحلفاويين النوبه من قبل وأدي لنتائج سيئه. فتفضيل الأرض علي الماء أمر خاطئ وللتأكيد علي ذلك دعنا ننظر لما اصاب الحلفاوببن بعد اربعين عاما من ترحيلهم، وننقل عن الراي العام  في تقرير لها عن حلفا الجديده ( إن المواطنين والمسئولين معا لايترددون في الحديث عن أمهات القضايا وأهمها تعقيدات مشروع حلفا الزراعي الذي يرقد يمساحة (345) الف فدان منها (25) ألف فدان أرض خاصه وصمم للمشروع خزان ليحفظ (1.3) مليار متر مكعب ولكنه للأسف الشديد لآ يقوي حاليا إلآّ علي تخزين (0.7) مليار بسبب الإطماء ونسبة لإنخفاض الطاقه التخزينيه للمياه فقد نقصت المساحات المزروعه من المحاصيل ومما زاد الأمر سوء انتشار شجرة المسكيت التي لم يوقف إنتشارها ( لعنات الحلفاويين) ولا هجاء ودوبيت العرب فهي الآن تغطي مساحات كبيره من الحواشات وتتمدد حتي الترعه الرئيسيه والفرعيه لتعطل حركة إنسياب المياه الشحيحه أصلا بسبب (نسبة تحصيل) الخزان، ومشاكل المشروع لا تقف عند هذا وحسب بل تشمل التمويل الزراعي وضعف تسويق وعدم وضوح علاقات الإنتاج في جدلية الممول والمزارع) ويري المحافظ سمساعه ضروره ملحه لقيام حمله لإنقاذ المشروع) .

نعم، لقد حُول الحلفاويين من مزارعيين يزرعون اراضيهم بحريه، إلي مزارعين (أجراء) تدير حياتهم الحكومه حسب أولوياتها ومزاجها. وليس هذا هو أخطر ما في الأمر، فهؤلاء الحلفاوييون الذين كلنوا يعيشون علي النيل ويستمتعون بمياهه - أصبحوا الآن عطشي يستجدون حكومة الخرطوم لحل مياه الشرب، إذ تمضي نفس الجريده لتقول ( تشكوا الكثير من احياء حلفا من ندرة مياه الشرب خاصة في أحياء " الثوره والجمهوريه" والمستشفي نفسها "عليله" بهذا الداء " العطش" حيث تتأثر خدماتها الصحيه بضعف المياه، ولو أن الدوله أعلنت من خلال الموازنه العامه عام "2003" عاما للمياه فإن حلفا بحاجه إلي "179" مليون دينار علي حسب تقديرات محافظ المحافظه علي سمساعه وذلك لصيانة شبكة المياه التي صممت عام 1964 عام التهجير لتقديم الخدمات إلي "15" ألف نسمه أرتفعت أعدادهم اليوم إلي "67"  ألف نسمه ( الراي العام  31-12-2002"

أي حكومات وأي سياسات تلك التي تنقل الإنسان من علي مصدر ثابت ودائم للماء إلي مصدر موسمي متذبذب لا احد يضمن تقلباته وقد تجاهلت الحومه في ذلك الوقت أمر زيادة السكان وهو امر ينم عن جهل فاضح وخطير بطبيعة المجتمع البشري.. وما حدث هو أن الحكومه في ذلك الوقت إختارت الأرض الزراعيه علي الماء وهو معيار خاطئ لأن الماء اهم من الأض الزراعيه، فبدون الماء تصبح الأرض الزراعيه لاقيمه لها، بل تستحيل الحياه. ويمضي ذلك الصحفي في تقريره الي نهايته المنطقيه ( الزائر لمدينة حلفا لايحتاج إلي كثير جهد لملاحظة بقاء صورة حلفا القديمه داخل أذهان الكثيرين الذين يتوجعون ألما وأسي علي عمليات التهجير التي مضي عليها مايقارب الأربعون عاما للدرجه التي تدفع بأحدهم مثل عبد الرحمن الكونت إلي القول ( منذ ان رحلت من حلفا إعتبرت نفسي ميتا بدون شواهد).

ولو تركنا كل مشاكل المشروع وخلافها جانبا؛ أليس ما ألم بالحلفاويين من عطش مآساة مابعدها مآساه؛ هؤلاء كانوا قوما لايخطر ببالهم شئ أسمه العطش فهذه كانت قضيه بالنسبه لهم محلوله؛ ولكن شطارة حكومات الخرطوم و"عبقري’ الإخفاق" تتجلي هنا أيضا؛ يحدث مثل هذا الأمرفقط في بلاد إسمها السودان تهجر مواطنيها من النيل إلي الصحراء بحجة توفر الأرض الزراعيه؛ وياله من منطق.

لكل ذلك نرفض أن نغادر ارضنا؛ فنحن الآن عندما نعطش نذهب عميقا في النيل ونغوص في أعماقه ونشرب؛ وليس بوسعنا ترك هذه المهمه الحيويه لحكومات مشغوله بحرب البسوس أو داحس والغبراء

ولكي لا تتكرر نفس المأساه نعود لما بدأناه من حديث عن ضرورة إحداث تحول في البنيه الإقتصاديه لشمال السودان حيث يتيح قيام الخزان وتوفر كم هائل من الطاقه مدخلا جيدا لإحداث  مثل ذلك التحول الذي اشرنا له يفتح الباب واسعا لتغيير  نمط الحياه بصوره جذريه. يتطلب مثل هذا التفكير إعداد خطه تنمويه متكامله للإقليم والبدء في تنفيذها بالمجموعه المتأثره بالخزان لتشكل نواه لمدينه صناعيه صغيره علي أن تتطور لتستوعب باقي الأقليم تدريجيا حسب الموجهات التي تطرحها الدراسه. أننا نعتقد أن مثل هذا النهج يوفر حلا أمثل لمشكلة إعادة التوطين  ويجنب الإقليم مشكلة النزاع علي الأرض، كما أنه يفتح الفرصه واسعه أمام أبناء الإقليم للإقامه في إقليمهم وتعميره ومن شأنه أن يضع حدا نهائيا للهجره من شمال السودان نحو الوسط والأقاليم الأخري

لكل ذلك نعتقد أن هنالك ضروره ملحّه في ان يتحاور أبناء الإقليم فيما بينهم، ليس لتكوين جماعة ضغط (إذ لم يعد في البلاد ما يضغط عليه) ولكن للإتفاق علي الصيغه المثلي والإستغلال الأنسب لهذه الفرصه التي يتيحها قيام الخزان. إن من رأينا أن المتأثرين بالخزان ليسوا هم الذين ستغرق  أراضيهم، بل إن مدينتي أبوحمد و كريمه سيطالهم التأثير الذي ربما قاد لموتهم وإندثارهم نهائيا إن تم ترحيل أهالي المنطقه إلي منطقه أخري بعيده. والمعروف أن هذين المدينتين يعتمدان بصوره كبيره علي التبادل التجاري والعماله وغيرها علي اهالي المنطقه المتأثره .وإن ترحيل خمسين ألف مواطن من المناطق المجاوره لهاتين المدينتين من شأنه أن يقود لنتائج سالبه علي الحياه فيهما وهو أمر يجب أن تتم دراسته بصوره متأنيه قبل الإندفاع فيه. لقد عانت وتدهورت مدينة أبوحمد بعد تهجير الحلفاويين، ثم ذبلت الحياه فيها بعد توقف قطار حلفا ومشترك كريمه تحت الإنقاذ، وأصيبت كريمه بإنتكاسات ضخمه بعد موات السكه حديد، وقد بلغت الروح الحلقوم في هذين المدينتين ومن شأن تهجير السكان من حولهما أن يعلن وفاتهما. لكل ذلك ندعو لأن يتحاور أبنا الإقليم في مآلات هذا الأمر بكثير من الرؤيه والتأني، خاصة وقد نما لعلمنا - كما اشرنا- أن هنالك الكثير من الأطروحات حول هذا الأمر

خاتمه

لقد قامت عمليه التنميه في السودان معوجه نحو المركز، أفضت في مجملها إلي الحروب والإقتتال وإزهاق الأرواح والأنفس في صراع طويل تعددت وتنوعت أسبابه ويمكن تلخيص هذه الأسباب في إصرار حكومات الخرطوم علي أن لا يستفيد أهالي الأقاليم من موارد أقاليمهم.

لقد ظلت عملية التنميه في السودان مرهونه بتوقيع رجل واحد هو وزير الماليه في الخرطوم، لذلك ظلت العمليه في مجملها عمليه مخنوقه تنتج النزاع والصراع والإقتتال نتيجة لإحتكار الخرطوم لها، وأصبح أي أقليم يطالب بحقوقه المشروعه يوصف بأنه متمرد أو قاطع طريق او ما إلي ذلك لقد ركبت الحكومات الوطنيه في ذلك النظام الممعن في المركزيه الذي أنشأه الأجنبي معتقدة أن تشديد القبضه الامنيه علي الأطراف من شأنه أن يضمن بقاءها  ضمن الدوله الموحده، ولقد نسيت تلك الأنظمه أن الأجنبي قد رحل وقد آن الأوان لفتح موارد البلاد أمام أبنائها للإستفاده منها، إذ لا أحد يدري لمن تدخر حكومات الخرطوم كل هذه الموارد.

لقد ظلت حكومات الخرطوم ترسل التجريدات العسكريه لأقاليم السودان المختلفه لإخضاعها بقوة السلاح لسلطتها، وتنسي الحكومات أو تتناسي متعمده ان اؤلئك مواطنون لهم حقوق في وطنهم، وإن كانت الحكومات لاتعترف للمواطنين بحقوقهم فمن المنطقي أن يقاومها السكان، ومن الغريب أن لاتتوقع الحكومات ذلك.

أن مشروع خزان الحماداب يشكل فرصه تاريخيه لإعادة الحياه لشمال السودان إن تمت إقامته بالصوره العلميه التي تراعي حقوق المتأثرين وحقوق الإقليم، فيما عدا ذلك فسيكون مصدرا للنزاع إن لم يكن اليوم فغدا

وننهي هذا الإسترتسال بموضوع قصدنا أن لانتناوله وهو موضوع تعويضات المتاثرين عن ارضهم وممتلكاتهم، وقد قصدنا أن لانتناول الموضوع لأننا لا نتفق إبتداء مع الأسس التي وُضعت ويتم إتباعها في هذا الأمر فهذه الأسس توفر تعويضا لحوالي ثلث المتأثرين فقط وهو أمر ممعن في الظلم وهذا الأمر ليس غريبا علي دوله تتخذ من ظلم مواطنيها  وهدر حقوقهم موضوعا للإفتخار والتباهي. غير أننا نختتم بحادثه حقيقيه ولكنها اقرب للنكته

إتصل بي في لندن أحد اصدقاء الصبا بعد مده طويله يسأل عن الأحوال والصحه، خاصة وقد فرقت بيننا الأيام لأكثر من عقد من الزمان، وللرجل بعض أشجار النخيل التي يعيش عليها، وبعد المجاملات قال

- يا علي يأخي ماتكلم ناس الحكومه ديل

أكلمهم اقول ليهم شنو؟

يأخي الناس ديل ملخبطين بين النخل والعُشر؟ الكلام البيقولوا فيه دا مابجيب ليهم عُشر! كان ما عندهم قروش لينا نحن بندي ليهم ساكت لكن مايبخسوا النخل! ألناس ديل قطع شك ملخبطين، كلمهم يأخي الشئ دا نخل ماعُشر

كان هذا حديث لرجل كان اكثر الناس تأييدا للإنقاذ عند مجيئها، ولكنها كافأته بقيمة العُشر بدل النخل

ونختم لنذكر اهل الإنقاذ بالحديث ( لآتبخسوا الناس اشياؤوهم) ولله في الحكومات شئون

 وعلي كل يظل مشروع الخزان اكبر تظاهره ل( عبقرية الإخفاق) التي اعلن عنها احد مستشاري الإنقاذ و نسأل الله أن يجعلها له ( في ميزان حسناته).أما نحن فنسأل الله أن يجعل شواهد قبرنا من تلك الصخور التي نشأنا بينها وتعلمنا منها الصبر والصلابه، وما إ صرارنا للبقاء فيها إلإ وفاء لها والتزاما بعهد قطعناه لها ولو كرهت الإنقاذ.

 
 

ارسل تعليقك على الموضوع هنا kirbikan@fareah.fslife.co.uk

 
 

Postpone The Hamadab Dam Project Petition

 
 

sign the petition here

اضف توقيعك على عريضة الاحتجاج هنا

 
 

فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية