على العوض

للتاريخ ... المجموعة السودانية لضحايا التعذيب

 
 

النشأة … التطور … آفاق المســـــتقبل

لا شك ان مولد مجموعة لمناهضة التعذيب والاهتمام بضحاياه يعد مساهمة حقيقية فى مجال الدفاع عن حقوق الانسان بالسودان ويكشف عن حالة حراك للذهنية السودانية فى مواجهة المستجدات وفى تقديرى ان فكرة المجموعة السودانية لضحايا التعذيب لم تنشأ من فراغ او لرغبة ذاتية لعدد محدود من النشطاء انما ولدت فى خضم واقع ماثل يتجسد فى دوران آلة التعذيب الجهنمية دورة كاملة احدثت ضجيج هائل وشروخ عميقة ولحوجة موضوعية تمثل فى ظهور فئة جديدة على الساحة السودانية وهى فئة الناجين من التعذيب فئة لها مشاكلها وقضاياها واحزانها.

حمل الفكرة عدد من الضحايا الذين توافدوا الى القاهرة ولامسوا الكارثة وحجمها المخيف" وصهينة" الحركة السياسية تجاه هؤلاء الضحايا وعدم الالتفات لاوجاعهم والذين كانوا فى حوجة ماسة لكلمة طيبة تعيد التوازن النفسى والبدنى علماً بإن جل الضحايا ممن ينتمون لهذه الحركة السياسية واحزابها ولكنهم حصدوا منها العدم والخيبة وتدثروا بحبال الصبر.

وفى عام 1993 انعقد اول اجتماع للمجموعة بالقاهرة لتداول هذه الفكرة وتجسيدها على ارض الواقع وضم هذا الاجتماع كل من زين العابدين الطيب وعبد الرحمن الزين ومحمد ابوقصيصة وعلى العوض وخلاله تم الاتفاق على تكوين جسم قوى وفعال لمناهضة التعذيب ومساعدة ضحاياه واسرهم وتوثيق حالات التعذيب وملاحقة مرتكبيه بغرض تقديمهم للمحالمة العادلة وفى سبيل ذلك تم تصميم استمارة بحث الحالة بمساعدة مركز النديم وهو مركز مصرى متخصص فى مجال التأهيل واعادة التأهيل لضحايا العنف والتعذيب ويضم كوكبة من الاطباء المصرين النبلاء وفى مقدمتهم د. عبد الله منصور والذين قدموا للمجموعة كل تجاربهم وخبراتهم وفتحوا امامها كل النوافذ للاطلالة على الامل واستعادة بعض من الرحيق. وسيظل هولاء فى ذاكرتى نموذجاً للناس النبلاء ومن خلال تلك الاستمارة تم تجميع كل الضحايا المتواجدين بالقاهرة ومنهم ياسر حامد والفاتح المرضى وحسين حامد ومنال عوض خوجلى والحاجة جاره عثمان وعادل الوسيلة واخرين وتحولوا الى تيم ناشط للمجموعة وبذلوا كل الجهد فى سبيل انجاح الفكرة. كما تم الاتصال بالمنظمات والاحزاب والشخصيات السودانية ايد البعض بشدة وتحفظ واعترض اخرين.

كان تسجيل المجموعة واستكمال وضعها القانونى بمصر مشكلة عصية على الحل فبجانب التردد المصرى كان قانون تسجيل الجمعيات والمنظمات بمصر معقد بالنسبة للمصرين واكثر تعقيداً لغير المصرين وبحضور الاخ عبد الباقى الريح للإجتماعات التمهيدية للمجموعة خلال زيارته لمصر تم تكليفه بمناقشة الفكرة مع الضحايا بالمملكة المتحدة وتسجيل المجموعة بها ولم يُخيب الرجل الاحلام وجعل هذه القضية من اولوياته وبذل كل الجهد والوقت والممكن حتى اكتملت اجراءات التسجيل القانونى ثم انطلق بهمة ونشاط لتوفير مصادر لتمويل المجموعة لتحقيق اهدافها. وسيدون التاريخ باحرف بارزة مجهودات ونجاحات هذا الفارس.

من نشاطات المجموعة القاهرة:-

0- شاركت المجموعة فى مؤتمر نظمته المنظمة المصرية مع نقابة الاطباء المصرية والتى يسيطر عليها تيار الاخوان المسلمون حول التعذيب ودور الاطباء وخلال تلك المشاركة تم كشف ممارسات التعذيب فى السودان بواسطة النظام الذى يدعمه التيار الاخوانى بمصر كما تم كشف دور اطباء الجبهة الاسلامية فى السودان فى التعذيب وتزويرهم لشهادات الوفاة (حالة الطبيب الشهيد على فضل) وبعد المؤتمر تم اللقاء مع مديرة مركز IRCT بالدنمارك وهو مركز متخصص فى التاهيل واعادة التاهيل للناجين من التعذيب ولديه فروع باكثر من عشرين دولة ولقد ابدت تفهمها تعطفها مع القضية السودانية وابدت استعدادها فى التعاون مع المجموعة لعلاج ضحايا التعذيب.

0- اقامت المجموعة معرض بالجامعة الامريكية بالقاهرة يحتوى على رسومات ايضاحية لحالات التعذيب بالسودان وشارك فى اعداد هذا المعرض كوكبة من الفنانين السودانيين، الباقر موسى، محمدسعيد، محمود سيف الاسلام. كما اقيمت ندوة عن التعذيب فى ظل سلطة الجبهة القومية الاسلامية فى السودان تحدث فيها الاستاذ عبد الرحمن الزين محمد.

0- تم نشر وطباعة العديد من البيانات والمناشدات والمذكرات التى تفضح التعذيب وتطالب بإيقافه ومحاكمة مرتكبيه.

0- اقامة يوم بدار اتحاد المحامين العرب للاعلان عن ميلاد المجموعة والتعريف باهدافها ونشاطها.

0- المشاركة فى المؤتمر العالمى للتنمية ضمن NGOs بالمعارض والبيانات والندوات والتى تركزت فى الكشف عن التعذيب واماكنه واساليبة واسماء بعض المشاركين فيه.

معظم هذه الانشطة كانت تتم بواسطة التمويل الذاتى والمحدود من الاعضاء المؤسسين والاصدقاء والمتحمسين وتدار من الشقق المتواضعة والتى يسكن فيها الفقر والرضى والحماسة، مما ازعج السفارة السودانية بالقاهرة فمارست التهديد والوعيد خاصة للسيد زين العابدين الطيب رئيس المجموعة بالقاهرة وقامت اجهزة الامن بالسودان باعتقال شقيقه للضغط عليه.

وفى منتصف عام 1994 تدفق اول دعم للمجموعة بالقاهرة ورغم محدوديته الا انه ساعد فى تأسيس المركز والبدء فى تنفيذ مشروع التاهيل واعادة التاهيل النفسى والبدنى لضحايا التعذيب وفتح افاق واسعة للعمل الدعائى والاعلامى.

لقد واجهت الفكرة صعوبات وعقبات ماكان من الممكن التغلب عليها لولا العمل الجمعى وروح التيم الواحد التى تسربل بها القابضين على الفكرة الا ان اكل العيش وتجاهل مجلس الامناء لإيجاد وضع معيشى يستر الحال دفع بالمؤسسين وجل ضحايا التعذيب لمغادرة القاهرة وبذلك فقدت المجموعة خبرات وتجارب رغم تواضعها كان من الممكن ان تسهم فى تطوير عملها.

قضايا ما بعد التأسيس:-

لاشك ان المجموعة استطاعت ان تقدم الكثير واصبحت مصدر ثقة للعديد من المنظمات والهيئات الدولية والاقليمية الا ان الطموحات لا تزال بعيدة المنال ولذلك يصبح من المهم دورياً تقيم نشاطات المجموعة خاصة من القطاع العريض من الناجين من التعذيب والمهتمين بهذه القضية،وحقيقة لا تخلو منظمة سودانية من الصراعات الصغيرة والهامشية والطموحات الشخصية المشروعة وغير المشروعة والاخطاء، ولكنها تظل محدودة وفاترة فى ظل الوضوح النظرى والفكرى لفلسفة المنظمة واهدافها واساليب عملها وادارتها وهذا فى تقديرى احد نواقص المجموعة السودانية لضحايا التعذيب وقد لامست نمطين من التفكير داخل المجموعة خلال تجربتى. النمط الاول يرى ان تتحول المجموعة الى مكتب بكادر محدد لادارة نشاطها وتحقيق اهدافها وهو الماثل والنمط الثانى يسعى ان تتحول المجموعة الى حركة وتيار داخل عصب الحياة السودانية المتنوعة لهزيمة ثقافة العنف والتعذيب ونشر ثقافة السلام والمحبة والخير والاخر وهذا هو المشروع الذى سعى الرعيل الاول من المؤسسين لتحقيقه وبذل الجهد من اجله. وفى تقديرى يمثل هذا المشروع افاق المستقل للمجموعة ولا يمكن ان يبدأ الا بمحاكمة مجرمى الحرب والتعذيب فى السودان خاصة وان المشروع السياسى الذى تحاول الحركة السياسية السودانية حكومة ومعارضة وفى ظل توازن حالة الضعف القائمة ان تؤسس له قائم على تجاوز الماضى " عفا الله عما سلف" والتسامح مع القتلة ومحترفى التعذيب، كما ان الاهتمام بضحايا التعذيب خاصة فى المناطق المهمشة ومناطق الحروب واعادة تأهيلهم نفسياً وبدنياً حتى يسهموا فى بناء السودان الجديد ويروا العالم خالٍ من الشرور يمثل التحدى الذى يواجه المجموعة وصدق مسعاها. فهل يقبل القابضين على امر المجموعة على التحدى بالجدية المطلوبة

اللهم اشـــــهد فانى بلغت

 
 

فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية