يحي ابن عوف

الشتات ليس إختياريا للمثقف ولكنه شكل من أشكال الهجرة القسرية

 
 

يعانى المثقف من وجود الانظمة ذات الطبيعة الأحادية المثقف المستنير فى حقيقته حالة إنتقادية لدورة الظلام التى تحيا فى سوادها الانظمة الأحادية فليذهب المثقف إلى المنفى حتى لا يتم إنتاج حالة العفونة التى يخلقها المثقف المستنير مع مجتمعه وتؤدى إلى تشكيل دورة الاستنارة المضادة للوعى الظلامى السائد ظلت الهجرة عبر التاريخ جزءأ من التجربة الانسانية تدفق السود إلى اوروبا والاندونيسيون عبروا البحر ليستقروا فى ملقاس وتشتت الهنود فى أرجاء العالم هذه نقطة جوهرية فى ظاهرة الشتات الثقافى فهجرة المجموعات القبلية والافواج السكانية من مكان إلى مكان تحمل معها طبائعها وقيمها وعاداتها أى أنها تمثل هجرة ثقافية كبيرة تحمل بين ما تحمل ثقافاتها من مكان إلى مكان تحفظ لنا حالات شتات ثقافى.

هناك ظاهرة السبى البابلى كما جاءت فى التوراة وقد استلهم من نصوصها العديد من كتاب الرواية المعاصرون منها نصوصأ روائية. هناك ظاهرة الاسترقاق التاريخى وتهجير الزنوج إلى العالم الجديد ما ادى إلى نشأة دولة الشتات الكبرى امريكا مع هذا الاطلاع الأولى لظاهرة الشتات الثقافى فى الواقع او التاريخ كيف تبدو صورة الشتات الثقافى السودانى إنها ليست خارج السياق الاساسى لمكونات الشتات إنهيار عالم ونشأة وضع جديد او حالة صدام مباشر مع السلطة هناك مظهران فادحان للشتات السودانى الحديث يشكلان اساسآ تاريخيآ للظاهرة وهما

 1 الحرب الأهلية فى جنوب السودان

 2 الحكومات الدكتاتورية المتعاقبة على الحكم فى السودان

فى عام 1999 " انجزت إحصاء تقديرآ للمثقفين السودانين خارج الوطن فتوصلت إلى أن العدد التقريبى لهؤلاء يتجاوز أربع الف بين كاتب وأديب وشاعر وفنان واكاديمى تتقاسمهم مهاجر ومغتربات ومناف بعضها طوعى وجلها قسرى السبب الاساسى وراء هجرة هذا القطاع من النخبة يرجع إلى اساليب القهر المادى ومصادرة الحقوق المدنية والسياسية التى بادر بها نظام الجبهة الاسلامية.

ادت هذه الموجات الأخيرة من الهجرة إلى تكوين لب ظاهرة الشتات الثقافى السودانى المعاصر وقد ادى توازن النخبة إلى إنشاء الكيانات السياسية والنقابية والثقافية خارج الوطن. تتردد إحصاءات جديدة عن الهجرة القسرية وريادة المنافى حيث هاجر اكثر من الالفين استاذ جامعى لاسباب سياسية ومهنية هناك شتات الاحزاب السياسية المعارضة والنقابات العمالية نقابة المحامين هناك ايضا شتات النوبة من وادى حلفا إلى خشم القربة في مطلع الستينات ادى إلى إنشطار ثقافى داخل المجموعة السكانية جزء بقى فى وادى حلفا وجزء ذهب إلى حلفا الجديدة وجزء ثالث فضل الانتماء إلى النوبة المصرية. وتبدو ظاهرة الشتات وكانها إختيار دفين لانظمة الحكم الاحادية حيث تدفع المثقفين سرآ لاتيانه بشكل يجعله وكانه إختيار شخصى يمارسه وكانه يمارس دوراً بطولياً.

الشتات ليس إختياراً للمثقف ولكنه شكل من اشكال الاقصاء الخفى ولابعاد تدفع الانظمة المثقفين لولوج دروبه أن تذهب بعيداً عن الوطن إلى أى مكان فى الخريطة وتقول ما تريد ولكن داخل الوطن يوجد المعتقل وتوجد المصحة والمقصلة. البقاء فى السلطة يمثل دافعية اساسية لأى نظام حكم ظلامى لتكوين شتاتة الثقافى وهذه الدافعية تمثل احد خيارات العلاقة الزائفة والمسكوت عنها فى صلات المثقف بالسلطة. موضوع الشتات الثقافى يحتل موقعاً محورياً فى الوجود الفعلى وانماط الحراك وفى التناولات النقدية والتداول الفكرى وذوات الأمر ينطبق على الثقافة السودانية المعاصرة وعلى المثقف السودانى.

لنبدأ النظر إلى هذه الظاهرة من خلال الواقع وليس من خلال المثال عبر وسيط يومى صحيفة الحياة اللندنية التى انجزت توثيقا غير مباشر لظاهرة الشتات الثقافى استنت هذه الصحيفة منهجاً تحريرياً مختلفاً عما كان سائدا فى اساليب التحرير الصحفى ومن ضمنيات هذا المنهج إثبات النسب الوطنى للكاتب ومحل إقامته ووضعه الأدبى أو الثقافى أو الفنى أو الفكرى على هامش يقع فى ذيل المادة المنشورة. تابعت هذه الظاهرة التوثيقية لفترة فوجدت إنها تستبطن معنى لايخلو من دلالة وهو غياب حرية التعبير فى أرض الوطن وفى مرحلة اخرى تبدت هذه الهوامش إشارات وعلامات لحال الشتات الثقافى هذه بعض الحقائق المباشرة والملموسة لظاهرة الشتات الثقافى السودانى.

إذاً الشتات يمثل احدى الموضوعات المركزية فى الحياة الثقافية السودانى المعاصرة ولكن ظاهرة الشتات الثقافى ليست قاصرة على الواقع السودانى إنها ذات تجليات افريقية وآسيوية وامريكية لاتينية جنوبية. جنرالات امريكا اللاتينية لم يتركوا غارسيا ماركيز يكتب رواياته فى كولومبيا اختار منفاه بين فرنسا واسبانيا وكانت باريس الستينات هى مؤل العديد من الروائيين والكتاب القادمين من تلك البقاع مثلما كانت وطناً لمبدعى الأدب الزنجى مثل بولدونى والذين فروا من جحيم العنصرية ليخلقوا شتاتهم. ومثلما كانت ايضا وطناً روحياً وثقافياً للقادمين من ايرلندا واوروبا الشرقية مثل جويس وبيكيت وكافكا واربال وغيرهم من رموز ثقافة القرن العشرين.  نحن إذاً امام ظاهرة احتواء للشتات وتوظيفه بغية توجيه خطاب سودانى جديد إلى كل شعوب العالم يقاوم فكرة المنفى ويطالب باستعادة حقه فى الحرية والديمقراطية والحقوق المدنية والسياسية والانسانية .

 
     

فهرس الرأي الآخر

الصفحة الرئيسية